انت هنا : الرئيسية » نقد ودراسات » المسرح الكردي يحلق في سماء ستوكهولم بمسرحية “الحارس باسوان”/ عصمان فارس ( ستوكهولم)

المسرح الكردي يحلق في سماء ستوكهولم بمسرحية “الحارس باسوان”/ عصمان فارس ( ستوكهولم)

المسرح الكردي يحلق في سماء ستوكهولم بمسرحية “الحارس باسوان”/  عصمان فارس ( ستوكهولم)

بدعوة من المسرح الوطني في ستوكهولم للمسرح الكردي في كردستان العراق عرضت مسرحية ( الحارس باسوان )  على المسرح الصغير للمسرح الحكومي لمدينة ستوكهولم..

المسرحية من نوع المونودراما أي الممثل الواحد وثيمتها تتعرض لحياة فنان في ظل الحكم الشمولي وتستعرض حرية المرأة وهي من تأليف دلشاد مصطفى واخراج ارسلان درويش وتمثيل الفنان المبدع احمد سالار..
عندما يحلق الفنان احمد سالار بصقره من كردستان العراق الى فضاء ستوكهولم ليجسد حقيقة استغلال الانسان واستلابه ومحاولة تجريده وتحويله الى بواب في خدمة السيد، رؤية طرحها المخرج ارسلان درويش لتحطيم وكسر حالة التوالي الزمني والتكرار العبثي العقيم لانماط الاستلاب والتي تتجسد في مسرحية الحارس باسوان عندما يتعرض الانسان الى التهميش ويتحول الى روبوت او دمية بيد السيد القادم في كل لحظة ليوقظ الحارس من اجمل احلامه مع الحبيبة بكل فصولها الجميلة مابين ثلج الشتاء وربيع ألوان الأشجار وعبق نرجسه الاذاري، سالار داخل ذلك الجسد يتحرك مع حرب شعواء تجسدها الكلمات تصنع صور مكبوتة وصراع مع شبح السيد القادم في كل لحظة جالبآ معه الموت ولكنه يستطيع انهاء ارادة الحياة، انها ليست تجربة فردية تخص الحارس وهو يقدم تكنيكا مسرحيا واسلوبا جديدا للتعبير المادي والمعنوي عما يدور في نفس البطل..
يعد الفنان والكاتب المسرحي احمد سالار احد رواد المسرح الاحتفالي الكردي في كردستان العراق، ومسرحه اصيل في الشكل والمضمون وله روحية خاصة يتميز بها، ويجمع مسرحه ما بين احياء التراث الكردي واستلهامه وابداعه من ناحية الرؤية الواقعية لقضايا العصر الاجتماعية والسياسية والثقافية. ويوظف الفنان احمد سالار التراث والشخصيات التأريخية الكردية في خدمة الزمن الحاضر والتبشير بمستقبل افضل لأنه يمزج ما بين مسرح كردي اصيل من حيث الاصالة والمعاصرة والاستفادة من تراث المسرح العربي والعالمي ولكن دون تقليد وتزويق .
وفي اكثر مسرحياته ينطلق من الاشكال الفنية والادبية في تراث الشعب الكردي ويمزجها بهموم العصر وطموحات وتطلعات الانسان الكردي، وتجلي ذلك في مسرحياته الشعرية والغنائية مسرحية (نالي والحلم الارجواني)  ومسرحية (الصقر يحلق عاليا ) ومسرحية(الملاجزيري).
في كل هذه المسرحيات يسعى الفنان احمد سالار اخراجيا لخلق مسرح كردي له قيم اصلية لها علاقة بنبض العصر ويحاول استحضار الشخصيات الادبية الكردية من بطون التأريخ وعصرنتها ويقدم لها شكلا مسرحيا يرضي الوجدان ويخلق آفاقا جديدة لمستقبل المسرح الاحتفالي. ومسرحية نالي والحلم الارجواني ليست استعراض وتقديم الأزياء الكردية، ووحدة المكان في محراب الحب الازلي الخالد مع ايقاع الدفوف والحركة الحلزونية من تجوال وترحال هذا الشاعر الكردي في محراب وعشق حبيبته (حبيبة).
اعتمد المخرج في رسم حركة ممثليه علي الجانب البصري والحركي الحلزوني والدائري مع ايقاع الدفوف وتحولت بنية المكان او العرض المسرحي الي مزار مقدس والجمهور يحيط بالاحداث كأنه على موعد لزيارة هذا المكان واستحضار الاحداث واشعار الشاعر الكبير نالي والاجواء السحرية الخلابة. قادنا المخرج احمد سالار وفريقه المسرحي الي عالم نالي المليء بالسحر والجمال واللغة الفنية المفعمة بالغزل الجميل مع الفنانة الكردية خرمان جمال والتي اعطت الدور حقه من دفء وجمال ورشاقة واداء مقنع وذكي لفهم شخصيتها.
المسرحية ليست تقليدا للتراث في اشكاله ولكن تطويره وعصرنته وهي مليئة بالقيم والافكار والاشكال التي يمكن التفاعل معها عصريا، مثل قيم الوفاء والاخلاص والغزل العذري الجميل البعيد عن الغش والرياء. ومسرحية نالي والحلم الارجواني ذات جدلية خاصة مع حاضرنا ومستقبلنا، فخيط الزمان المقطوع مع الماضي يحاول المخرج ومجموعته الرائعة ان يؤسسه في هذا المكان. فهذا العرض الشعري يحمل صبغة فلسفية واشكالا معمارية جميلة ومحاولة لتطويرها ومعاصرتها وتنويرها لخلق العلاقة الجدلية ما بين التأريخ وحركة العصر بشكل متواصل ومتفاعل واعادة طرح التراث برؤية ابداعية عصرية لغرض اثراء تجاربنا المسرحية الكردية. ويعتبر الفنان احمد سالار والمولود في مدينة السليمانية من كردستان العراق من اوائل الفنانين الكرد الذين درسوا مادة التمثيل والاخراج في كلية الفنون الجميلة في بغداد. وهو اديب وفنان كردي اصيل في المنبت والمنشأ والتكوين، يمتلك ثقافة راقية وعالية في الادب العربي ويتكلم اللغة العربية الفصحي، وله امكانات هائلة في اعماله الفكرية والادبية ويتميز بالشمول والتنوع والاصالة والتجديد، ويمتلك الروحية الطيبة البعيدة عن التعصب الاعمي، فنان يتمتع بالتواضع يستمع الي جمهوره بكل ود واحترام يدخل الي القلب بسهولة لاحترامه لجمهوره وفنه..
عالم الفنان احمد سالار المسرحي هو العالم الاثير والمنفرد لاحياء تراث المسرح الكردي في العراق وتقديم التراث والشخصيات برؤية نقدية وصور جديدة وبدون أي محاكمة والهـدف هـو خلـق مسـرح كــردي اصيل يتحرر من كل الاشكال الغربية والمضامين، مسرح احمد سالار يتنفس من رئة المسرح الاحتفالي العربي وتراث المسرح العراقي ويتمسك الفـنان بمفهـوم المسـرح الكــردي في كــل مسرحياته لكـونه هـو المـؤلـف او المعد والمخرج للنـص المســرحي الذي يقـدمه، وتتمتع عـروضه المسرحية بالشمولية من حيث العالم والكون. والمسـرح الكــردي يفتقر الي كاتب مسرحي متخصص لذلك اغلب العروض المسرحية مستلهمة من تاريخ المسرح العالمي الغربي وفي كثير من الاحيان تتحول عروض المسرح الكردي الي غربة المؤلف المسرحي او المعد عن العرض المسرحي. فنادرا ما نجد في كردستان العراق كاتبا مسرحيا متخصصا رغم كثرة المعاهد الفنية والأكاديميات وكثرة الفرق المسرحية في اربيل، السليمانية ـ دهوك. فتجربة المسرح الكردي لها نفس الهموم والمعاناة والنواقص الموجودة في المسرح العربي.
وفي مسرحيته الثانية (الصقر يحلق عاليا) يحاول الفنان احمد سالار تأصيل المسرح الاحتفالي والطقسي الكردي، وعشقه للمسرح يتجلى في لغته المسرحية والحوار المسرحي والتأكيد علي اهمية المسرح في خلق الوعي ونشر الثقافة واهمية المسرح الذي هو عالمه وعشقه بالـرغم مـن تنـوع اهتماماته والـولوج في عـالم السياسة لكـنه لا يـزال يحمـل نـبض الثقافة والادب وذلك الفنان المبدع وقد سببت السياسة وجلبت له الكثير من المصائب والعـذاب. لأنه ذلك الفنـان المبدع والخــلاق والفنان هو ملك الشعب وجمهوره منذ ما يقرب الثلاثين سنة والفنان احمد سالار يحلق مع صقره عاليا في عالم المسرح بالرغم من سنين القهر والوجع والألم والمراجعة، ما زال ذلك الفنـان الوفي والمخلـص لفنه ولمسرحه الكردي الاصيل، وحريص علي ما يقدمه من عـروض مسـرحية تـراثية متميزة وهو فنـان اصـيل يعيش في صـلب عصره وانه يبحث في الحاضر لخلق مسرح كردي يتجه نحو المستقبل في هذا الزمن الصعب ان يقدم مثقفا او فنانا لكي يكون مصدر اشعاع لفنه وشعبه. فمسرحه يجمع كل فنون الاصالة وفنون الفرجة المسرحية الحديثة، وضرورة الامتزاج ما بين الجمهور وخشبة المسرح باستخدام المنصات والمرتفعات واتاحة المشاركة الوجدانية والذهنية ما بين العرض المسرحي وكتابة التاريخ من جديد معتمدا علي الرواة.

جميع الحقوق محفوظة لمجلة الفرجة - موقع الفنون العربية

الصعود لأعلى