انت هنا : الرئيسية » نصوص » مسرحية: “لا هواء …..” / تأليف : محمود أبو العباس

مسرحية: “لا هواء …..” / تأليف : محمود أبو العباس

مسرحية: “لا هواء …..” / تأليف : محمود أبو العباس

فكرة : إبراهيم سالم 

 ((الليل يلف المكان ببرودة وصمت .. تقطعه بين الحين والآخر أصوات لقذائف .. وراشقات متقطعة من الرصاص لا نعرف مصدره .. ))

(( بيئة المكان خطوط خشبية .. تشكل جدران بأبواب وشبابيك .. تربط الإطارات المكونة للمكان فصالات سهلة التحريك والتشكيل وفق رؤية المخرج .. ليس ثمة ما يملأ الفراغات بين الأعواد الخشبية .. وكأن المكان مستباح …

في عمق المسرح يوجد جدار مغطى بقماش الشيفون ..تاركا ً خلفه ظلال لسرير أحد المرضى .. وقد ربطت به مجموعة أنابيب مطاطية مختلفة الأشكال .. بعضها للتغذية .. والبعض الآخر لنقل الدم .. انتهت منها العملية إلا خطوط حمراء .. وهناك أنبوبة غاز أوكسجين ترتبط ببالون ينظم عملية الهواء .. ينفصل عن الجهاز عند انقطاع التيار الكهربائي (سيكون للبالون فعلا ً على المسرح ) )

(( في أعلى يمين المسرح شباك معلق .. سيظهر منه شخصية ( الجار ) وهو يشرف على أطلال البيت ))

(( تدخل الأم .. وهي امرأة في العقد الرابع من العمر .. ممتلئة البنية .. ملامحها حنونة .. وتشكل فعلا ً مغايرا ً عن الشخصيات الأخرى .. تحمل مصباح يعمل على ( الكاز ) وهو ما نسميه ( فنر ) في ذؤابته الأخيرة ))

 الأم: لا أدري أأداريك .. أم أداري أبني المعلول .. فكلاكما يذوي أمام عيني .. شح في كل شيء .. والظلمة لا تبرح تشتد

وتقسو .. وتزيد من مخاوفي ..

(( يدخل الأب والذي تجاوز الخمسين من العمر .. رشيق الحركة .. فيه بعض الصلف .. يبدو عليه التعب .. الذي يترك عليه بعض الأفعال غير الطبيعية .. يدخل الأب حاملا ً حطب أشجار .. يلقيها على الأرض ويغادر .. تستوقفه زوجته ( الأم ) ))

الأم : ما نفعل بكل هذا الحطب الطري الذي يَصعبُ إشعاله ..؟

الأب : دبري نفسك .. (( يحاول المغادرة ))

الأم: البرد ينهش عظام أبنك .. إنه يرتجف مثل غصن في الريح ..

الأب: لم يبق َ إلا ملابسي .. أشعلها له ليتدفأ .. زهقت ..

الأم: لا تكن قاسيا ً ..  (( تنحني لرفع الأغصان عن الأرض ))

الأب: سئمت ..

الأم : إياك أن يكون هذا الحطب .. أغصان أشجار الزيتون ؟؟

الأب: الجرافات لم تبق في القرية أسم لزيتونة .. كدت أموت من طائشات الرصاص التي أفزعت رجولتي وأنا أقطع

مسافات طويلة لجلب الحطب ..

الأم: الخوف من الموت ليس عيبا ً .. نحن بحاجتك ..

الأب: كنت أظن أن العيب .. أني أموت خائفا ً ..

الأم : متى خرق صدرك الخوف وأنت رجل الملمات .. ؟

الأب : دجنونا .. فما عادت الملمات تحتاج لرجل مثلي ..

الأم: (( تحل الحطب وتمضي ))  حيرتني وأنت تُقلب ما أقول من الكلمات كما تشتهي ..

الأب: تساوى المقلوب والصحيح .. سأذهب لأتدبر بعض ٌ من رغيف الخبز ..

 الأم: والماء ..

 الأب: والهواء ..

 (( ينظر لزوجته بألم وحسرة .. وهو ينقل عينه إلى مكان سرير الابن المريض ))

 (( نسمع خلف الجدار ومن خلال الظلال .. الابن المريض والجدة العجوز ))

الابن المريض : ( يتكلم بتثاقل ) جدتي .. جدتي .. هل نمت يا جدتي .. الهواء .. الهواء

الجدة : ( كأنها تستيقظ من نوم عميق ) سأكمل الحكاية .. .. أيه .. فصرخ .. هواء. هواء .. ريح تعبث بالسفينة .. أين

 الربان ؟ .. أين الربان ..؟

المريض: جدتي .. حركي البالون .. أنقطع الهواء ..

الجدة: ( كأنها تكمل الحكاية ) ولم تنقطع نخوة البحارة .. كانوا يضربون الهواء بالمجاديف .. فتهدأ الريح .. كان الربان في

 كل مرة ينزوي بعيدا ًعن بحارته .. والبحارة يموتون غرقاً ً .. خيانة تأصلت ببني آدم .. ومن يخون مرة .. يتعود

 الخيانة فتصير له طبعا ً ..

 (( يصل الأب إلى خلف الستار الشيفون ))

المريض: ألحقني يا أبي .. لقد نفد الهواء من رئتي .. أدركني أبي ..

(( يمسك الأب بالبالون ويبدأ بتحريك الهواء ( يمكن للمخرج هنا ) أن يفتح الديكور ليكون المشهد في الزاوية اليمنى من المسرح أثناء الحوار بين الجدة والمريض .. نجد الجدة تجلس على كرسي قديم كأنها تمثال .. ))

 (( إثناء تبديل الديكور تبدأ فرقة الفنون الشعبية بأداء دبكة على النغم العربي..ينشدون شعرا))

المجموعة:  مازال في بيوتكم حصيرة وباب

                سدوا طريق الريح عن صغاركم

                        ليرقد الأطفال

                الريح برد قارس .. فلتغلقوا الأبواب

                 مازال في قلوبكم دماء

                 لا تسفحوها أيها الآباء

                 فإن في أحشائكم جنين

                 مازال في موقدكم الحطب

                 وقهوة وحزمة من لهب          ( محمود درويش )

 (( تنتهي الفرقة من الأداء .. تنزوي جانبا ً .. جلوسا ً أو وقوفا ً وفق المخرج ))

 (( تدخل الأم .. فتجد الأب وهو يحرك البالون الهوائي  بتعب شديد .. الأم تحمل لحافا ً ..تغطي الابن المريض الذي يرتجف ))

الأب: تعالي .. أكملي .. لقد كلت كتفاي من الضغط على هذا البالون ..

  (( يغادر الأب خارجا ً .. يقف عند كرسي الجدة ))

  (( تستلم الأم البالون وتبدأ بالضغط .. فينسل صوت الابن متهدجاً مريضا ً ))

المريض: لقد أتعبتك يا أمي ..

الأم : لا يتعبني أن يدي ّ تتحرك  .. أو أني أركض طوال النهار بين البيت والغرف .. بل أني أشعر بالأسى حين تنضح

عيناك بعتاب أني جئت بك لدنيا ثلمت عافيتك وأقعدتك الفراش …

المريض: لم تشتر ِ لي العجز دمية من سوق يا أمي .. إنها أرادة الله ..

الأم : آمنت بالله ..

المريض: أشعر بقسوة الهواء مع الجميع .. إلا أنت .. تأتيني كالنسمات .. حنو يديك جعل هذه الظلمة ضياء ًيا أمي ..

( يرتجف ) آه .. آه .. لو يغادرني الارتجاف..

الأم: البرد ينخر زوايا البيت .. فكيف بجسدك الواهن ..

المريض: ( يحاول النهوض .. يرفع الكمامة من على وجهه ) أسعفيني .. أريد الذهاب للــ .. ( يؤشر باتجاه الحمام )

الأم : طيب يمّه .. طيب

(( تفصل بعض ( الكانولات ) المرتبطة بيده .. ويحاول الاتكاء على الأم .. يمشي خطوتين فتخور قواه ويسقط على الأرض .. ترفعه الأم ))

المريض: كأني أمسك بحبال من هواء .. تشدني  للوقوف.. فيخون قامتي ضعفي ..

الأم: سأآتيك بالكرسي المتحرك ..

المريض : بل أريد أن أمشي قليلا ً.. أحس أن الدم تجمد في عروقي ..

الأم: تجمد الدم في عروق أمك .. يا روحي ..

المريض: ( يداعبها ) لا .. لا تقولي هذا .. فبعدك لا ساعد يرفعني من على الأرض

 (( تغادر الأم والمريض .. ))

 (( نسمع صراخ في الخارج مع أصوات رصاص متقطع قرب البيت .. الأب يهب مسرعاً باتجاه الباب .. مؤثر رشقة رصاص وخيوط نار ترجعه لمكانه ))

الأب: ( يذهب باتجاه الأم ) أين أبنك الثاني ؟ .. كأني سمعت صوته .. وخلفه من يطارده ..

الأم : ذهب للمسجد ..

الأب: ليس وقت صلاة الآن .. ورشقة الرصاص خيطت باب البيت ..

الأم: ذهب يجلب لنا زجاجتي ماء .. من المسجد ..

الأب: أنت أكثر جنونا ً منه .. كيف ترسلينه للموت هكذا ..

الأم : أخوه عطشان ..

الأب: وتضحين به من أجل الآخر .. ألا يكفيها إنهما همين على ظهري ..

(( الأم ترمقه بنظرة عتب وتدخل بعد أن تسمع آهة من المريض ))

(( الإضاءة تنتقل للجدة التي تخرج مفتاحا ً قديما ً صدا ً ))

الجدة: ما بك تصرخ ؟

الأب: الولد .. خرج … و….

الجدة: ( تقاطعه ) أدري أنكم سئمتم من وجودي في هذه الدار ..

الأب : من قال لك هذا يا أمي ..

الجدة: لا تحتاج  قول .. زوجتك لا تطيق رؤية وجهي ..

الأب: أمي .. نحن في حال يُبكي قلبَ الظالم .. و .. و .. تعلمين أني لا أطيق هذه المرأة التي زوجتني ايها غصبا ً.. وخلفت

لي ولدين .. حملين .. أثقل من الجبال ..

الجدة: لا أدري ما الذي غيرّ قلوب الناس ..؟ كانت تمسح تحت حذائي الأرض .. وما أن تزوجت حتى كشرت عن أنيابها

.. لبوة .. لم تحسن ترويضها أنت يا ولد ..

الأب: ( بعصبية ) تعيدين نفس الكلام ..منذ ثمانية وعشرين عاما ً .. كأن اللغة توقفت عندك في هذه الأسطر ..

الجدة: أنت أيضا ً لا تخفي عصبيتك عني .. ( يعلو صوتها فجأة ) لماذا تصرخ بوجهي ؟

الأب: لم أصرخ ..

الجدة: بل تصرخ .. سأغادر بيتك هذا .. أتظن بأني أحتاجك ..(تخرج المفتاح القديم)هذا مفتاح بيتي .. وسيعود معه حقي ..

الأب : المفتاح أيضا ً ..

الجدة : ( تخرج من جيدها كيس قماش .. به ورقة صفراء قديمة ) وهذا سند بيتي ..سيأتي يوم يخرج فيه هؤلاء السفلة من

بيتي .. يأتون يركعون تحت قدمي وسأصفع تلك الوجوه .. أصفعها .. فتصفعني .. أصفعها .. فتصفعني. وسيكون مفتاحي هذا سلاحي .. أشج رؤوسهم واحدا ً واحدا ً .. وسأدخل بيتي نظيفا ً من رجسهم .. وس َ .. وسَ .. وسَ …   ( تنام الجدة )

الأب: وستنامين .. وسأخرج أنا من عبث هذا البيت .. لعل طلقة طائشة تتلقف رأسي .. فأنسى قصصك التي شحنت خيالي

 ببيت بعيد المنال .. أضعَفَ طاقتي .. ( يترك الأب البيت راكضا ً )

 (( تدخل الأم وهي تصرخ ))

 الأم : تعال .. لقد أغمي على الولد .. أنفرط من بين يدي .. وثَقُلَ جسده .. ( تقترب من الجدة النائمة ) أين ذهب أبوه ..؟

الجدة : ( تستيقظ الجدة فزعة ) ما بك ؟ أفزعتني .. أفزعك الشيطان وأكل عقلك ..

 (( يدخل الخال مسرعا ً ))

 الخال: ما هذا الصراخ .. ؟

 الأم : الولد .. تعال وساعدني يا أخي ..

 (( تذهب الأم ومعها الخال ))

 الجدة: ماذا حدث ؟ ها .. ماذا حدث ؟.. لا أحد يجيب .. أجلس أنا هنا مثل قدرٍ منسي في مطبخ .. كيف يمكنني أن اعرف ..

وهذه اللبوة الشرسة لا تجيب على أسئلتي .. البيت خال من أهله .. والجوع سلب مني حتى حركة لساني .. ( تضغط يدها بقوة ) أين أولي بهذا الخدر الذي نشف يدي اليمنى .. وساقي اليمنى

(( تحاول تحريك يديها .. لكنها تصطدم بدخول الخال وهو يحمل أبن أخته المريض على ظهره ))

 الخال: هيا .. واعدي له السرير ..

 (( ترتب الأم ما على السرير بسرعة  ..الخال يضع ابن أخته برفق على السرير  .. ثم يبدأ بتحريك بالون الهواء .. والأم تضع الكمامة على أنف الابن))

الجدة: ماذا .. ماذا أصاب الولد ..

الأم: لا شيء أيتها الجدة .. كعادته أغمي عليه في الحمام ..

الجدة: ولماذا تحركينه إلى الحمام ..؟ ألم يوصي الطبيب بقلة الحركة ..

 الأم : هو أراد أن يتحرك  قليلا ً ..

الجدة: ويقولون لماذا هذا الانقطاع في الماء والكهرباء  .. ولماذا نعيش في حلكة ليل مظلم .. كل ذلك من شائن أفعالنا ..

 الأم : وما فعلنا ..؟

الجدة: لا تخلو حركاتك هذه من الانتقام .. تريدين أن تؤججي جمرات قلب أبيه .. بموت الولد على يديك ..

الأم : موت من ؟

الجدة: أبننا ..

الأم: وهل هو أبن ضرتي .. عافاك الله يا جدة .. ما هكذا توزن الأمور ..

الجدة : كيف لا .. والولد مربوط بكل هذه الأجهزة التي تديم حياته .. فصلها عنه .. يعني فصله عن الحياة ..

الأم: أنت أم وتعرفين ما يعني قلب الأم يا جدة .. وعار علي لو أن هذه الفكرة برقت في عقلي لحظة .. فكل شهقة منه تكتم

نفسي .. وقلبي مربوط بقلبه دقة بدقة.. وأخاف أن أغمض عيني فتنمحي صورة وجهه منها .. لو أن قلب الأم مثلما تقولين .. لصارت الدنيا غابة ..

الجدة: أوه .. تثرثرين كثيرا ً ..

الأم: سامحك الله ..

الجدة: بل سامحك الله .. ( مع نفسها ) لو أن الكلام مربوط بالكهرباء .. لانطفأت هذه المجنونة مع مصابيح البيت وارتحت..

                    (( تذهب الأم لتستبدل مكان الخال في ضخ الهواء للابن ))

الخال : أعتقد انه عاد لوعيه .. ( يتحرك الخل خارجا ً )

الأم : إلى أين أنت ذاهب …؟

الخال: لا أدري أين ؟ مصيرنا مرهون بهذه الأجواء التي عفنتها أفكار عم أولادك

 الأم : و ما شأنك به ..؟

الخال : لا شيء .. لا شيء .. ولكن بسبب جماعته .. تُقطع الطرق .. وتُسد المنافذ.. جعلونا في ليل لا ينقطع .. حولوا المدينة

إلى مدينة أشباح ..

الأم : لا شأن لك به .. قسوة الظروف هي التي جمعتنا .. فلولا الموت المنتشر في الشوارع لما اجتمعت عائلات في بيت

واحد لا يكفي نصف عائلة ..

الخال : وتتوقعين أنه سيطردني من بيت أختي ..

 الأم : بل من بيت أخيه ..

(( مؤثر رشقات رصاص ..يدخل الابن الثاني .. مسرعا ً ويلهث .. وقد أبتل نصفه الأسفل .. وكأنه يخبئ تحت قميصه

شيئا ً جعله منتفخا ً رغم  ضعف جسمه .. عند دخوله يضطرب كل من على المسرح .. بما فيهم الابن المريض والجدة ..

وكأنهم بحركة ميكانيكية مألوفة .. أي ربما يؤدون كلهم نفس حركة الفزع .. ثم يتوقفون قليلا ً .. بعدها تعود الحركة

   لطبيعتها ))

(( الابن الثاني ..فاقد الذاكرة .. شاب فيه الكثير من الغرابة .. في حركته التي تنم عن عدم انتظام .. بل هو مضطرب .. يوحي بالعصبية ولكنه ليس عصبيا ً .. هو نفسي أكثر من كونه عصبي .. ملابسه غريبة .. شعره .. يكثر من تبديل الملابس .. حتى أنه يغير ملابسه أثناء الكلام .. ))

الأبن الثاني: ( يتوقف قليلا ً .. ينظر للوجوه الحاضرة  .. ثم يرفه يديه معتذرا ً ) آسف .. لقد دخلت المكان الخطأ .. فهذا

وكما يبدو ليس بيتنا ..

 الخال : تعال يا …

الثاني : مَنْ أنت ؟

الأم: ( تتقدم أليه ) أنا أمك .. (تبرر) ربما أرعبته زخات الرصاص فما عاد يميز

الثاني  : لا .. لا .. الرصاص عزف ألفناه .. يوميا ً .. تنويعات في إيقاعاتها .. أحيانا ً  فرادا .. وثنائي .. و .. و.. ولماذا

أشرح لكم كل هذا ..؟ ولماذا أنا بينكم .. ؟ ومن أنتم ..؟

 الجدة: تعال يا بني ..

الثاني: لا أدري أين شاهدت هذا الوجه الذي حفرت عليه السنين منحوتات ..جمع منحوتة … و .. و ..

الأم: ألم أرسلك للمسجد لجلب الماء ..؟

(( يتحسس قنينتين تحت القميص .. برزتا شكلا ً منتفخا ً ..))

الثاني : ( يضحك ) تذكرت .. زخات الرصاص ذكرتني بهاتين القنينتين .. جلبتا لي ..الموت .. إلا رمشة عين

الأم: أين ذهبت … ؟

الثاني: مررت بالجنود .. فظنوا أني أحمل حزاما ً ناسفا ً … طاردوني .. فهربت .. رشقوني بالرصاص .. فدخلت أحد

الأزقة القريبة .. سمعت جماعتنا .. يتهامسون .. رغم أني لم أستطع التمييز فالظلمة لا تفرق بين العدو والصديق .. قلت ألجا إليهم .. لكنهم أكملوها برشي بالرصاص .. واحدة قلبتني على الأرض لكني لم أمت .. سمعتهم يتصايحون .. جاسوس .. جاسوس .. هذا جاسوس .. فأنقذني أحد الأنفاق .. كي أصل إلى هنا .. ( يخرج القنينتين الفارغتين مثقوبتين برصاصة ) أنظروا إنهم يستهدفون  القناني  .. يقتلون الماء .. في عز طفولته ..

الخال : ( يؤشر على سرواله ) ظننتك أأأأ …

الثاني : لا .. لا تظن.. الظنون خطرة .. صدق أو لا تصدق هذا ماء القناني .. آه ..لقد ذكرتني .. سأذهب للحمام لأقضي

حاجتي .. لأني حين شاهدت وجهك .. تذكرت الخوف .. والخوف يدفع للتبو …. (يضحك ويحاول المغادرة ..يتوقف) ما هذا ولماذا أقول لكم كل هذا( يقترب من أخيه المريض ) ها ..أنا في مستشفى ؟؟ لا ..  فأنا دخلت المكان الخطأ .. (( يذهب مسرعا ً .. فيعترض الخال طريقه ))

الخال  : تعال إلى هنا .. ( يصرخ به ) تعال إلى هنا قلت لك ..

الثاني : لا تصرخ بوجهي .. من أنت ؟

الخال : تحتاج إلى ذاكرة جديدة .. لابد من فتح هذه الجمجمة المحشوة بالــ  …. ونضع فيها ذاكرة جديدة ..

الثاني : ومن أين تأتيني بالذاكرة المحشوة بالروث  .. لهذه الجمجمة .. وأنا لست بحاجتها مذ قابلت وجهك .. منذ سنوات ..

عرفتك ..

الخال : أنا خالك ..

الثاني: كذاب .. أنت اخو هذه السيدة ( يشير لأمه ) صحيح .. وهذه السيدة .. هي أم هذا المريض .. التي تكون بالتأكيد هذه

العجوز ليس أبيه .. بل جدته ..

الجدة: نعم

الثاني: ولكن هل هي جدته أم أبيه أم أم ُ أمه .. يبقى السؤال معلقا ً .. فهذا البيت ملتبس .. فيه إشكاليات كثيرة .. مسألة غاية

في الصعوبة والتعقيد ..فالمعادلة يجر خيطها طرفان .. وفي الحقيقة إن الطرفين معلقان بخيط .. يحركه واحد أو اثنان ..لا نعلم .. المهم .. أنا سأذهب وحين تجدون البيت .. نادوا علي .. أحس أن هذا البيت يغادرني .. شيء ٌ مثلوم ٌ فيه .. وبسببه دماغي مثلوم .. وهو لشدة ما يضيق بي يلفظني مثل بصق مجنون في قمامات جارنا .. هذا ابن الكلب الذي يعضنا كل يوم ونخفي جراحنا خشية منه .. أجلسنا على خازوق خرق قمة الرأس .. أهدانا عيونا ً تبصر باتجاه واحد .. جُعلنا ننعم بصبر يرسله أخوةٌ لنا .. أن كتب عليكم أن ترضوا بشبر تنامون فيه .. وبلتر من الهواء للتنفس .. وترفعون الرايات البيضاء كلما أدرتم قفاكم .. وأن لا تزعجوه .. أو .. تقلقوه إذا ما دعس على رؤوسكم بالحذاء .. صمموا له حذاء ً بحجم وطن .. كي يشوت .. يشوت .. ما شاء له أن يشوت .. يُقصمُ ظهور .. ويُغلقُ أفواه .. ويُهشمُ عظام .. ويرقص ُ فوق الجثث .. ونحن نصرخ .. نموت .. نموت .. ويحيا أبن الكلب هذا هذا هذا .. ( تنتابه حالم من الصرع .. يرتجف .. داخل بقعة ضوء .)).

(( يدخل عليه الخال متأثرا ً ))

 الخال: كفى .. كفى ..

الأم: ( لا تدري ما تفعل .. تنظر لأبنها الثاني وهي تضغط على بالون الهواء) على أي جانبي أميل ُ.. مكرهة أعيش بين

ألمين .. ألم يوثق عيني أن لا تغفل حتى لا يغادرني الصغير .. وألم يصطرع بمرض الكبير الذي جفف منابع عقلي ..

(( المجموعة تدبك بقوة الفعل وهم ينشدون قصيدة .. ))

المجموعة:  فلا الأهل أهلي..  ولا الدار داري .. ولا أنت .. أنت.. وما من أواصر.. عليك تدور الدوائر.. قناع وراء قناع

تحاصر أحوالك الخاسرة.. وأسراب نمل تحاصر.. أشجارك الخاسرة.. أحلامك الخاسرة..  وأيامك الخاسرة

(( تقترب الجدة من الابن الثاني .. تمسح على رأسه وهو نائم على الأرض ))

الثاني : ( بصوت متهدج ) جدتي .. جدتي ..رائحتك فقط هي التي تشد عودي ..وتشدني لهذا المكان ..

الجدة:هو بيتك .. بيت ُ أبيك ..

الثاني : صحيح ؟ .. أبي عنده بيت ؟

الجدة: عندنا بيوت ..( الجدة تخرج من جيبها المفتاح القديم ) وهذا ..

الثاني : مسدس ؟

الجدة: لا .. مفتاح بيتنا القديم ( تخرج من جيدها ورقة صفراء قديمة ) وهذا السند يا ولدي .. سترثه أنت من بعدي ..

فأخوك قدماه في القبر .. فتبقى أنت الوريث الوحيد ..

الثاني : نعم يا جدتي .. الوريث الوحيد لكل هذه الأهوال والمشاكل والبلاوي .. ماذا سترثينني ؟ ها .. هل تريدين مني أن

أشد هذا المفتاح في رقبتي حتى لا أنسى.. فذاكرتي مُسِختْ .. وصرت أعرف المكان من خلال الناس .. بعد أن كان الناس هم دلالة المكان ..

الجدة: لن  أسلمك المفتاح الآن .. بل بعد مدة ..

الثاني  : مدةٌ تساوي عمرك يا جدتي ( يضحك )

الجدة : أتسخر مني يا تافه ..؟

الثاني : ( يستمر بالضحك ) لا .. بل إن خيالي المجنون طوح بي بعيدا ً .. أني سأجد أحفادي يجلسون في المكان نفسه ..

وأكلمهم عن المفتاح الذي يبحث عن باب .. وباب يبحث عن بيت .. وبيت صار ممرا ً للدبابات .. يسحقونه .. ويسحقون أحلامك .. بل ستكون هذه الورقة شهادة تعلق على قبرك ..

الجدة : أسم الله علي ..

الثاني: وقبري .. لا أحد يفلت منها يا جدة ..

الجدة: أنت لم تجرب جدوى هذا المفتاح حتى ترسم كل هذه الظلمة في خيالك  الأسود ..

الثاني: وما تدرين يا جدتي .. أني سرقت هذا المفتاح يوما ً .. وطفت به المدينة باب.. باب .. ولم أجد ما يفتح بهذا المفتاح ..

فكل ما فيه صدأ مثل أيامنا ..

الجدة : ( تحرك عصاها لضرب الثاني الذي يهرع هاربا ً) قم .. قم .. هيا .. لا تستطيع بعقلك الناقص أن تفهم ما أفكر فيه أيها الغبي ..

الثاني: الغباء نعمة .. فنحن لم نرث منكم .. الإ جنون تربى فينا .. ومسخ كل ما في الذاكرة .. أنتم فعلا ً أجداد .. تاريخ من صفحات زيفتها أفواه تناقلت ما لذ لها .. وحرفته .. صرنا تاريخا ً لنشيد نتغنى به ..

الجدة: ها أنت تكسر مجدافي مرة ً أخرى ..

الثاني: هل رأيت ِ .. ها أنت تعودين لحكاية البحار .. الربان الذي تركك على ساحل بحر المدينة .. وهاجر ..

(( الجدة تبكي بحرقة .. وسط ضحكات متعاقبة للابن الثاني ))

(( فرقة الفنون الشعبية تدبك على أنغام موسيقى ببطء شديد .. مع تغير مختلف وجديد لشكل الديكور .. بحيث يصبح المريض في واجهة المكان .. رشقات من القذائف تجمد الحركة على المسرح ))

المجموعة :   أبي من أسرة المحراث لا من سادة نجب ِ

                  وجدي كان فلاحا ًبلا حسب ولا نسب ِ

                  يعلمني شموخ الشمس قبل قراءة الكتب ِ

                  وبيتي كوخ ناطور ٍ من الأعواد والقصب ِ   ( محمود درويش )

                  فهل ترضيك منزلتي ..؟ أنا أسم بلا لقب ِ

(( مجموعة الفنون الشعبية يدخلون للبيت مسرعين .. وهم ملثمون .. يدخلون ووسطهم ( العم) .. الذي يترك وتظهر عليه علامات التعب.. العم في العقد الرابع من العمر .. يرتدي ملابس مزج فيها التراب بالطين .. وهو يحاول ان يتنفس بصعوبة .. يقف في الزاوية ))

(( الابن الثاني يضغط على بالون الهواء .. ليتنفس أخوه المريض ))

المريض: هواء .. هواء .. لِمَ انقطع الهواء ؟ لماذا توقفت .. ؟

الثاني : من هذا المعفر بالتراب ..؟

المريض: عمي ..

الثاني : عمك ..؟

المريض: وعمك أنت ..  ما بالك ها نسيت .. ؟

الثاني: لم أتذكر أن لي عم معفر بالتراب ..

المريض: هيا وأعطني جرعة من الهواء .. إني اختنق ..

الثاني : ( يضغط لمرة واحدة ) جرعة واحدة ؟ .. خذ ..

المريض: أستمر ..

( يظهر العم سعالا ً شديدا ً وقوي .. )

 المريض: ( ينهض ويرفع الكمامة من وجهه ) ما بك يا عم  ؟

العم : ( متقطع الصوت ) ضخوا غازا ً خانقا ً في النفق الذي كنت فيه ..

الثاني : أي ُ نفق ..؟

العم: الذي ننقل من خلاله الغذاء والدواء للناس ..

الثاني : نفق تحت الأرض .. ؟

المريض: طبعا ً

الثاني : الآن عرفت لماذا انت معفر بالتراب .. كنت تحت الأرض ..

العم: ( يصرخ ) آخ ؟؟ يضيق صدري .. كلما .. تكلمت .. دوار .. أحس بخدر في جسدي  .. ( يقترب المريض منه )

الثاني : عمك هذا ربما سيموت .. ( يذهب مسرعا ً )

 (( المريض يخلع كمامته ويبدأ بضخ الهواء لعمه عن طريق البالون .. تدخل الام  مسرعة ))

 الأم : ما به ؟

المريض: ربما استنشق غازا ً ساماً .. تحت .. في النفق الذي يعمل به ؟؟

الأم : ( تذهب لجلب الماء .. تغسل وجه العم ) لا أدري ما يفعلون بكل هذا الانتحار اليومي ..

المريض: أي ُ انتحار يا أمي .. الرجل يضع روحه على كفه كل يوم لجلب ما نحتاج .. وأنت تقولين انتحار ..

العم: ( يستنشق الهواء بقوة ) سمم أفكارها أخوها .. لا يدري من خراب الدنيا شيئا ً ..كل ما يفعله يضع ساقا ً على ساق ليتفرج على همومنا ..

الأم: لا تدخل أخي في عنق زجاجتك ..

العم: كلنا علقنا في عنق الزجاجة .. وللخروج من ضيقها ..  نهرول يوميا ً على حافة الموت .. حتى لا تجف حلوق الأطفال .. فالنساء ومن شدة الجوع ما عادت صدورهن تدر الحليب .. وهؤلاء الكلاب يُضيقون الفضاء علينا .. ويغلقون الأماكن .. سجننا أتسع وصار مدينة .. وأخوك ِ بدل أن يطلق لسانه عليهم صار بوقاً  لهم ..

الأم: هداك الله .. ابن جلدتك تجعله عدوا ً وتترك عدوك ..

العم : حين تشتد ظلمة النفوس .. يصعب التفريق بين العدو والأخ ..

المريض: أمي لا طاقة لي استمع لكلمات تمزقني .. هذه الفرقة اشد من مرضي .. الهواء أصبح ثقيل ..

 (( تحاول الضغط على البالون .. يساعدها العم الذي يتنفس هو الآخر بصعوبة ..))

(( الإضاءة تخفت في البيت .. فيضاء شباك الجار الذي يطل برأسه .. حزمة الضوء الخارجة من الشباك تلقي بخيوطها على الابن الثاني الذي أقترب من الشباك ينظر للجار ))

 الثاني: تفضل عندنا .. ندعوك لسهرتنا .. فالحفل سيبدأ بعد قليل وستقدم جدتي وصلتها وستقدم لك كأسا ً من الحنظل .. انزل كي تأكل الزقوم معنا هواء ً أثقل من وجهك ..  

الجار :  ( يضحك ) أ ما زلت تخرف .. ؟

الثاني: لا .. بل استقمت في تفكيري .. لأني حين أراك يصعد بي الفرح .. بسلم ٍ من ورد .. كي أصل إليك . .

الجار : قلت لك تحتاج إلى طبيب نفسي .. وأنا اعرف أحدهم .. سينقذك من هذا الخرف الذي أنت فيه ..

الثاني : ( يرفع من الأرض صحنا ً أو أي شيء يهدد به الجار ) أغلق شباكك ..أغلق وجهك .. أغلق أمك التي ولدتك .. يا أبن الــ .. تعرف  أني لا أطيق النظر إلى وجهك .. لأن النظر إلى وجه اللئيم يقسي القلب .. وأنا أخاف على قلبي كثيراً حين أنظر إلى وجهك ..

الجار: ( يضحك ) أنت مسلي جدا ً ..

الثاني: لأنك بعيد ٌ عني .. وستكتمل التسلية حين تمسك يدي ّ برقبتك ..

الجار: ( يضحك ) هذا تهديد ؟

الثاني : سمه ما شئت أيها المأفون .. (يرمي ما بيده باتجاه الشباك .و لكن الجدة توقفه )

الجدة : ما تفعل يا ولدي ؟؟

 (( الجار يغلق شباكه قليلاً لكنه يبقى يراقب ))

 الثاني: كل يوم يتفرج علينا .. ويطلق كلمات كالرصاص .. فيزيد همنا هم ..

الجدة: أتركه يا ولدي ..اتركه واذهب ..

الثاني : إلى أين .؟

الجدة: إلى أي مكان ..

الثاني: أنا هنا في بيتي .. أين أذهب والظلمة طريق صالح للقتل .. والدروب مقفلة ..و..و..و .. جدتي .. من يكون هذا الرجل الذي في الشباك ؟

الجدة: جارنا منذ ستين عاما ً ..

الثاني : وي .. ستون عاما ً .. ياه .. ولماذا يشتمني ..؟

الجدة: هو لم يشتمك .. بل أنت لا تطيق أن ينظر من شباكه إلى باحة البيت ..

الثاني : قولي له يغلق الشباك ..

الجدة: هو في بيته .. حر..

الثاني: ونحن مقيدون .. نظراته سجن .. أليس من المعيب أن ينظر إلينا ويمنع البيت من حرية الحركة .. التنقل .. الــ .. جدتي .. كيف حملتي هذا الجارضيفا ً ثقيلا ً كل هذه السنين ؟؟

الجدة: في الأرض جبال راسيات .. لا يمكن زحزحتها .. وهم كذلك ..

الثاني: إذا هذا الرجل .ز جبل لا يتزحزح ..

الجدة: تتحدث وكأنك تكتشفه لأول مرة ..

الثاني: لا .. فأنا كلما ارفع رأسي للأعلى أجد ُ خيالا ً لشباك يطل منه رأس يراقبني .. ذاك هو ثوب الجنون الذي أصبح ضيقاً على .. ولابد من تمزيقه ..  سأمزقه يا جدتي بقوة الأجداد .. وبروح الأمجاد .. سائرون .. سائرون ..

 (( ينشد .. وتشاركه فرقة الفنون الشعبية في دبكة ))

 المجموعة:  صبور في بلاد كل ُ ما فيها .. يعيش بفورة الغضب .. جذوري .. قبل ميلاد الزمن رست ..وقبل تفتح الحقب

وقبل السرو والزيتون.. وقبل ترعرع العشب ….(( تتوقف فرقة الفنون الشعبية ))

 الثاني: أحسنتم يا شباب .. هذه الدنيا تحتاج لدبكة .. ستخرج الماء من الأرض .. وتعفر الجو بغبار فرحكم .. بل إن ضربة القدم هذه بوابة للقضاء على الـــ ( يقول كلام غير مفهوم )

 (( بالتدريج الإضاءة تخفي ملامح المكان .. يذهب الثاني مودعا ً ))

الثاني : لا الظلمة .. ولا الخوف اعرفه .. أنا أبن أبي .. رجل .وفي زمان ضاعت فيه الرجولة .. أنا رجل والرجال قليل .. ( يخرج مسرعا ً )

المجموعة: أنا رجل والرجال قليل .. ( تعاد ثلاث مرات  ً )

(( الجدة تقف وسط الدار .. والجار يظهر أكثر في الشباك ))

 الجار: كم مضى من عمرك يسحقه الانتظار ؟

الجدة: ليس انتظارا ً بل شهوة بالبقاء .. فكثيرا ً ما يداعب مخيلتي أني سأدخل بيتي ..

الجار: تبحثين عن المستحيل ..

الجدة: البيت مستحيل ؟

الجار : لا .. ولكن كيف يمكنك أن تحصلي عليه وأنت راكدة ٌ في مكانك .. هل تعتقدين أن البيت سيزحف باتجاهك ..

الجدة : فتشت عنه وأنا اعرف عنوانه .. سلكت أزقة ً تداخلت بأزقة..أحسست بغربة في  المكان .. فلا الوجه هي الوجوه التي اعرفها  .. ولا رائحة الأزقة بنفس الرائحة .. أحسست بالغياب وانأ أتنقل في أزقة المدينة أبحث عن بيت أهلي .. الهدم أخذ نصيبه من البيوت .. وقفت على أطلالها فوجدت أن ذاكرتي هي التي هُدمت .. لمن أحكي ..؟ لأحفادي وهم غرباء      ومرضى .. لأولادي الذين تمزقوا .. لجيراني وقد غرقوا في فوضى ذاكرتي

الجار: تستطيعين بهذه الورقة .. السند .. أن تؤشري خارطة المكان ..

الجدة : ( تخرج الورقة  ..تنظر إليها بعينين ضيقتين ) لا أدري هل الحروف انمحت .. محاها الزمن .. أم إن عيوني .. ما عادت تجمع الحروف مثل قبل ..

الجار: لا تقعدي في مكانك .. هيا اذهبي وجربي .. أخرجي ..

الجدة: أضيع

الجار: الضياع أرحم من السكون ..

الجدة: كأن صوتَكَ يأتي من غيب ..  من أنت ..؟  لا تكاد عيوني تبصر أحد ..كأني اكلم نفسي ..

الجار: أنا نفسك .. هيا يا جدة .. خلف الباب ثمة ما يداوي جرح انتظارك .. الهمة .. الهمة .. كسر حاجز الصمت .. منفعة ..

الجدة : قلبي يقول لي إن هاجسا ً يدفعني للخراب .. لأني أحتاج ألف عين كي أبصر روحي وهي تلوذ في زوايا بيتي ..

أ يظل البيت مغلقا ً .. مثل َ آلاف  الأمنيات ؟ أم أني ذاهبة لأكمل َ رحلة َ ضياعي ..

الجار: خطوة واحدة نحو الباب .. منها تصلين إلى منال أرحب ..

الجدة : مع أني لا أثق بأصوات تتداخل في مخيلتي .. إلا أني سأنصت هذه المرة وأذهب .. لعلي سأصل .. إلى أين .. لا أدري .. أنت تدري ..

 (( يغلق الجار الشباك .. تنتبه الجدة لنفسها ))

(( إنتقالة إلى زاوية البيت حيث السرير .. المريض يتنفس من خلال الكمامة . والأم تتكلم وإيقاع كلامها مرتبط بحركة الضغط على البالون ))

الأم: قتلني هذا التمزق .. البيت أصبح مستودعا ًُ للمشاكل .. وكل ينظر إلى نفسه أنه الحق  .. والباطل هم الآخرون ..( تضغط بسرعة ) متى نستريح من هذا العناء.. والواحد منا يتربص للآخر ..

المريض: أمي عفوك لا تضغطي بسرعة فقوة الهواء تخنقني ..

 الأم : لقد مللت ..

المريض: مني ..؟

الأم: من نفسي .. من الظلمة .. من الخوف .. الرصاص .. القذائف .. البساطيل .. انقطاع الماء .. الكهرباء التي نسينا أسمها

(( أثناء الأداء تتصاعد في ضغط الهواء في البالون ))

المريض: أمي دخلك .. تأني في الضغط أرجوك ..

(( الأم تترك البالون ))

 الأم : في كل مرة يحضرون .. كل ٌ يجر ُ خلفه ُ عرش مملكته .. وهو يقول أنا .. والآخر يقول أنا .. وأنا أقول أنتم .. ماذا تريدون منا ؟ والأنا أصبحت جحيما ً يلتهمنا وقودا ً ..

المريض: أمي الهواء .. تركتني بدون هواء .. أمي .. أمي ..

(( تخرج الجدة تحمل صرتها .. تنظر إليها الأم .. تذهب لها توقفها .. ))

الأم : إلى أين ؟

الجدة: لا أدري

الأم: أين تخرجين في هذه الظلمة التي لا ترحم .. وأنت امرأة بدون عيون ..

الجدة : لا أدري

الأم: ستبتلعك الدروب .. والموت يبحث عنا في سالكاتها ..

الجدة : لا ادري

الأم: لا تدرين ؟ فكيف تريدين الخروج في هذه الساعة .. أنت تصنعين لنفسك مكيدة ..

الجدة : لا أدري

الأم : الرصاص لا يفرق بين العجوز والطفل ..

الجدة: أموت برصاصة .. و لا أموت من الهم وأنا أقابلك .. ووجهك يمسح يومي بالحزن .

الأم : سامحك الله يا جدة ..

(( تأخذ الأم من الجدة الصرة .. العجوز ترفع المفتاح لضربها على رأسها .. يغمى على الأم .. تخرج العجوز مسرعة .. ينهض المريض من مكانه ))

المريض: أمي .. أمي ..

الأم : ألحق جدتك ..

المريض: لا أقوى .. فقدماي ابتلعتهما الأرض ..

الأم: سيحرق أبوك الدار ومن فيها ..

المريض: ولماذا خرجت ..؟

الأم: شيطانها أقوى مني ..

((المريض يحاول الذهاب إلى باب جانبية .. يتوقف .. ثم يذهب مسرعا ً للسرير .. يحاول وضع الكمامة .. والضغط على البالون بيدين فاشلتين .. يبقى في الظل ..حيث نشاهد الأم وهي تداري نفسها بشد رأسها بخرقة قماش ..))

(( نسمع صوت إطلاق رصاص .. وصوت كأنه صوت الجدة يتردد في صداه .. ))

 ( مهم جدا ً )

(( مجموعة الفنون الشعبية تكون خلفية للقاء بين الخال والعم .. وهما يظهران في بقعتي ضوء على طرفي المسرح ))

(( العم في بقعة .. والخال في أخرى .. على جانبي المسرح .. يقتربان من بعض في كل جملة من القول ))

الخال: لا يستقيم الظل والعود أعوج

العم : لا يستظل الأعوج بالعود السليم

المجموعة: يعلو بكاء الرجال الرجال.. يوغل صمت النساء النساء.. وفوق صراخ القبور.. وتحت أنين العجائز..          شعوب مسمنة للولائم

الخال : ماذا تريد؟

العم: أنت ماذا تريد ؟

الخال: بسطت يدك لإيذائي

العم: شُلت ْ يدُكَ وأنا أبسط  لك يدي للمصافحة ..

الخال: تخرق الاتفاقات

العم : اتفاقات كتبتها أحبار محتها مواقف خسيسة ..

الخال: تريد أن تقول …

العم : ( يقاطعه ) أنت خائن ..

المجموعة:  من عاش يخسر سر الحياة .. ومن مات بات على الموت حرا ً وحيا ً.. وما كان بالأمس عارا ً محالا ً ..هو اليوم شأن صغير وجائز

العم : وإني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون ..

الخال : ( يضحك ) تسرق ما على لساني من قول أردت فيه وصفك ..

العم: صفني ما شئت .. ولكن ما على الأرض .. على الأرض ..

الخال: الأرض ها هي تُحرق .. لأنكم تعبثون بها .. بالناس

العم : العابثون .. هم اللاهثون للسكينة ..الواقفون على تلة الخوف والمصالح .. الجبناء هم الذين تركوا تاريخاً من القتل اليومي خلفهم .. وراحوا يسوون الأرض تحت أقدام الغزاة ..

الخال:  تتحدث في زمن غطاه التراب والنسيان ..

العم: أغلق فَمَكْ ..

الخال: أنت من يُغلق فمه الذي فاض بتراب الماضي .. فلوث َ المكان ..

العم:  تراب ارضي .. وأنتم أهل ٌ غرباء ..

الخال: انتم شردتم الأهل وحللتم محلهم الغرباء ..

المجموعة:  فحاذر .. وحاذر

                زمانك وغد وغادر

                زمانك خائن خائر                       ( سميح القاسم )

                تنح وغادر

                إلى حيث ألقت …

(( يقتربان وجها ً لوجه .. العم يرفع يده لصفع الخال الذي يوقف يده ))

الخال: شلت يدك أ ترفعها في وجهي ..

العم: لو كانت سلاحا ً لأفرغته في رأسك ..

(( يتماسكن يداً بيد .. يتصارعان ويعيدان بعض ما قالاه بسرعة غير مفهومة (( يدخل الأب مسرعا ً ))

 الأب: حكمتكم مهزلة الرجولة .. تتبارون أيكم يضرب الآخر على رأسه .. ومن فيكم شجاع وينتزع قلب الآخر .. نحن في غابة نعيش .. ولكنكم تتركون وحوشها .. وتتبرعون بأجسادكم طعماً لها .. إلى متى هذا العداء ..

العم : أطرده من بيتك ..

الخال: هو بيتي أيضا ً .. لأختي فيه النصف ..

الأب: ليس لأحد ملك في هذا البيت .. هذا البيت ملك للرصاص والقنابل والجنود الذين يستبيحونه متى شاءوا ..

الخال : بل هو بيت أختي .. قل له من أين جاءت أموال بناء هذا البيت ..

الأب : لا أنتظر منك أمر ..

العم : ( للأب ) قل له يخرج من هنا قبل أن أرتكب به حماقة لا يحمد عقباها ..هذا السفاح الذي يدفع بي وبك للموت بدم بارد ..

الخال: أنت لا تستحق الحياة ..

الأب : فمن يستحقها ..

(( تدخل الأم ))

الأم: مرة أخرى تعودون لتدريب العداوة بينكما ..

الأب: أخوك هذا .. رجل آخر زمن .. يتندر علينا .. يطردنا من البيت ..

(( الأم تصمت ))

الأب: لماذا تصمتين .. أنت الأخرى تجارينه في حرب دبرها للقضاء على أخي ..

الأم: ما بكم .. نحن في بيت واحد ..

العم: ممزق ..

الأم: نحن ..

العم: أنت تأخذين أخيك وتذهبين ..

الأم: إلى أين ..؟ وأية ُ ظُلمةٍ ستحفل بي وتحميني .. ما عهدت قلبك تداهمه القسوة هكذا ..

العم: عن القلوب تتكلمين .. لو أبصرتِها لما فرقتِها عن الحجر ..

(( مع ضربة موسيقى تتوقف المجموعة كأنها في صورة فوتوغرافية ))

 (( يظهر المريض حاملا ً كل الأجهزة المعلقة به .. وكأنه آلة من كثرة أسلاكها .. ))

المريض: قلبي يقول لي إن ذخيرة هذا البيت .. قد غادر تني إلى غير رجعة .. جدتي ..أشم رائحة الرصاص وهو يخترق جسدها النبيل ..

الأب: عدت َ لأحلامِك ..

المريض: للكوابيس .. فلا مجال للحلم

((  نسمع صوت أطلاقة واحدة .. فيهرع الجميع للباب ))

الأب: ( يصرخ ) قناص .. خذوا حذركم

(( بحركة واحدة يحنون رؤوسهم  .. وينزلون للأرض ))

الخال: هيا .. تعال وحل لنا هذه المعضلة .. أذهب وتسلق السطوح والجدران كي تمنع هذا القناص الراقد على سطوة الموت

العم: تعرفني لا يردعني أحد ..إذا ما عزمت على ذلك ..

(( يخرج العم بعد أن ينظر بحنق للخال ))

الخال: تنظر إلى كأن عينيك تتأهبان لأكلي .. كأني أنا الذي أرسل القناص ..

العم: القناص جبان متخفي .. ومهنته صناعة الموت .. الخوف ليس منه .. ولكن حين يكون العدو أبن عمك ..

(( صوت رصاصة أخرى ))

الأب : يبدو أن هذا القناص متفرغ لنا .. فنحن الوحيدين الذين لم نغادر البلدة .. ( ينظر من زاوية ) الحمد لله جاءت الرصاصة في شباك بيت فارغ ..

الأم: قلبي على ولدي أين ذهب في عتمة هذا الليل ..

الأب: جعلتِ ابنك صديقا ً للمخاطر ..

الخال: إنه يغلي طوال اليوم .. ماء ساخن يرجرج رأسه .. فقد عقله .. والعقل ..

العم : تتهمه بالجنون ..؟

الخال: بل هو أعقل مني ومنك ..ونحن المجانين .. أنت تسببت في كل ما فيه هوالآن .. أدخلته حارساً للصوصيتك .. فنجا مرتين من الاعتقال ..

العم: ( للأب ) هل سمعت ؟ يتهمني باللصوصية ..

الأب : قصر لسانك يا خال ..

 الخال: هل نسيت كيف كسروا يديه بالحجر .. وأنت تدفعه وهو طفل لأن يقابل الدبابات أعزلا ً إلا من حجر .. هو يظنها لعبة .. وأنت تعتبرها بطولة ..

العم : لأنه وهو طفل كان أشجع منك .. أنت المتخفي دوما ً خلف جبنك .. رجال لا تصلح لصبغ الأحذية ..

الخال: تأدب

(( يتشابكان .. ويتقدم الأب للفصل بينهما ))

الأب: كفاكما عراكا ً ..

العم : هل سمعته .. يريدنا أن نموت جوعا ً تحت الحصار ..

الخال : بل أنت من يريد لنا الموت بالقنابل والرصاص ..

المريض : الموت واحد .. إن استقبلته بصدرك جوعا ً .. او أستدبر ته برصاصة ..  أما من نهاية لهذه المشاحنات ..

(( يدخل الأخ الثاني راكضا ً يتجول في المكان بسرعة كأنه يبحث ُ عن شيء .. موسيقى .. الرعب يدب في المكان .. وبين الشخوص ..يذهب الثاني لينزوي في أحدى الزوايا خائفا ً .. يجلس في وضع القرفصاء .. يتقدم منه الأب ..فيهرب .. تقترب الأم .. يتنقل ببصرة بين العم والخال ))

الثاني : ماذا تفعلون ..؟

الأب: ما بك .. ( يصرخ ) ما بك ؟

الأم: أششش ..أنت ترعبه ..

الأب: هذا الفم سأغلقه بالحديد .. إذا أعدت كلمة أش .. أنا ليس حيوانا ً..

الأم: أما تشاهد الرعب وقد غطى وجهه ..

الأب: أبنك هكذا .. ولِدَ مرعوبا ً ..                               

العم:  (( يتقدم العم )) أهدأ يا ابن أخي ..

الثاني : من أنت ؟

العم: عمُك ..

الثاني: أعرف أنك اخو هذه السيدة .. جدتي قالت لي ذلك ..

العم : أنا اخو أبوك ..

الثاني: (( يقترب الثاني من الخال ))هذا أخو أبي ..

الخال : بل أنا اخو أمك ..

الثاني : لا فرق بينكما .. أنت أخوها .. وأنت أخيه .. معناها كلكم أخوة .. فكيف يصير الأخوة أب وأم لي .. حرام .. قالت لي جدتي ..

الأب: ماذا قالت ..؟

الثاني: لم تقل شيئا ً .. ( في بقعة ضوء منفردا .. يتذكر وبهدوء شديد ً ) .. أشتد القصف .. هربت .. لاحقني قناص .. كنت أسرع من رصاصاته .. لكنه مزق الحائط .. هشم جدار المدرسة .. كسر زجاج النوافذ .. ركضت .. ركضت .. توقفت .. ضاعت من قدمي الطريق .. الخوف جعلني أفكر .. في أن أقف أمام فوهة الدبابة .. أو أنادي على رصاصة تعانقني عناقا ً أبديا ً .. لنموت معا ً أنا وهي .. هي حارة تبرد في جسمي .. وجسمي البارد يسخن ليبرد مثل جسدها

الأم : أنت تهذي يا ولدي ..

الأب: اتركيه ..

( الخال يذهب ليضغط على البالون بع شهيق قوي من المريض .ز يتقدم منه العم يترك الخال البالون ..ويبدأ العم بالضغط )

الثاني : لا.. تعثرت في طريقي بكومة من قمامة لم أميزها في الظلمة .. سقطت على الأرض .. فارتسم وجهي بعين غائمة مفتوحة لامرأة عجوز ..نهضت خائفا ً من وجه المرأة  .. قلت في نفسي أيكون للقمامة عين .. قلبتها بقدمي .. فكانت .. كانت .. جدتي ..

(( صمت .. صمت .. ليس سوى الصمت ))

(( العم .. يتنفس بقوة .. ومن شدة التنفس ينعكس ذلك على ضغطه على البالون .. يبدأ عنده التنفس يتصاعد صراخا ص .. .. يرمي بالبالون أرضا ً ويدعس عليه بقدميه .. حتى ينشق البالون .. ))

العم: لا .. لا .. لا ..

 (( تقترب الأم من العم ))

 الأم: ماذا فعلت .. ؟ سيموت الولد ..

(( الإضاءة تحصر الأب لوحده .. يحاول الكلام .. لكنه يفضل مغادرة البيت مسرعا ً راكضا ً ))

الأم : ( تتبعه ) إلى أين أنت ذاهب .. ؟

(( يتبعه العم ))

الخال : لا حول ولا قوة إلا بالله .. ( يقترب من الثاني ) هل أنت متأكدٌ يا ابن أخت ..

الثاني : تشبه جدتي .. أو أنني بت أختصر وجوه البشر بوجهها .. لأنها الحقيقة الوحيدة في عقلي ..

(( الخال يذهب للباب .. تُسمع صوت رصاصة قناص .. يرجع مسرعا ً ))

الخال : تعالا .. ربما ليست هي .. لم تتأكد ..

الأم: ( للثاني ) ماذا فعلت .. ماذا فعلت ..؟

الثاني : أنت الأخرى تعودتِ الهروب من الحقائق ..

المريض : أمي .. الهواء .. الهواء ..

الثاني : ( للمريض ) هل علمت بجدتي ..

الأم : ( تسرع لتلافي الموقف ) ماذا تريد منه ؟

المريض: يقول .. هل علمت بجدتي .. ماذا حدث لها .. ؟

الثاني : جدتي سافرت .. سافرت إلى ( بهمس ) الموت .. ربما سنلحق بها .. إذا لم ترجع

(( الأم تقترب من الخال ))

الأم : لابد أن نتدبر الأمر  .. ماذا نفعل ؟  الولد بدون البالون والهواء ..سيلحق بـ ..

الخال: انتظري ..

الثاني: عندي الحل .. منفاخ جدي ..

الأم : جدك ؟؟

( الثاني يذهب ويقلب صندوق قديم مركون في أحد الزوايا .. يخرج منفاخ نار .. يستخدمه الحدادون .. ويجلب المنفاخ لأمه)

الثاني : هيا .. اربطيه مع أنبور الهواء ..

(( الخال يستوقف الأم بسرعة ))

الخال: توقفي هذا المنفاخ متروك منذ سنين .. وعلينا الآن أن نفرغ ما بداخله .. من تراب وبقايا من دخان الماضي الفاسد ..

الثاني : نحتاج إلى أكثر من منفاخ .. إذا أردنا أن نخرج خفايا الماضي ..( يضرب صدره ) ..الحمد لله .. كنوز من بقايا .. سنّحملها لأجيالنا القادمة ..

(( في هذا الإثناء يفرغ الخال المنفاخ من التراب .. وكمية من الدخان بترسبات سوداء .. يستنشق الخال كمية تباغته .. يسعل بقوة .. ويشعر بضيق في صدره ))

الخال: دخان فاسد من بقايا سنوات كبست على صدري .. (( يسعل بقوة ..ويضيق صدره قليلا ً .. يعطي المنفاخ للأم .. تذهب لفصل البالون الممزق .. وشد المنفاخ بشريط مطاطي لاصق .. ))

(( أثناء هذه العملية ..يطل الجار من شباكه .. ينظر إليه الثاني ولا يكلمه ))

الجار: لماذا لا تكلمني ..

الثاني: ( يطرده بالإشارة )

(( الجار يلقي قطعتي حلوى ملونة على الثاني .. الذي يفر هاربا ً منها ))

الثاني: ما هذا ؟

الجار: حلوى ..

الثاني : مفخخة بالمتفجرات ..؟ أعرفكم جيدا ً .. تاريخكم حافل بموت الأطفال وبالصور الملونة .. .. تتفننون بقتلهم .. استراتيجيات المستقبل .. المستقبل يبدأ عندكم بقتل أطفالنا ..

الجار: لماذا تفسرني خطأ .. جربها .. وقل لي ما رأيك ..

(( يرمي بالمزيد من الحلوى في كل مرة يخاف الثاني وينزوي بعيدا ً ))

 الثاني : قلت لك .. لا .. أريد ..

 الجار: أخوك المسكين .. المريض .. وجهه مكفهر.. أصفر .. لعل هذه الحلوى ستعيد توازن الألوان لديه ..

الثاني: أخي لا يحب الحلوى ..

الجار : وأنت

الثاني : أنا لا أحبك بطبيعة الحال (يحمل الحلوى ويرميها باتجاه شباك الجار ) .. خذ حلواك وأذهب وإلا ..

الجار : هل رأيت .. ها أنت ترميها ولم تنفجر .. أذاً فهي حلوى غير مفخخة ..

الثاني : مسممة ؟

الجار: قلبي لا يطاوعني أدس السم لكم ..

الثاني: هذا إذا كان عندك قلب .. ثم أنت لا تحتاج إلى دس السم .. فهومدسوس لنا في الهواء .. نحن نتنفسكم سما ً ..

الجار: قلبك قاسي ..

الثاني: نطلب الرحمة من قلبك .. أغلق النافذة .. أغلقها .. ( يرمي ما بقي من الحلوى عليه )

(( يغلق الجار النافذة .. تقترب الأم منه ))

الأم : ماذا فعلت ؟

الثاني: يرمي علينا الحلوى .. يتصدق علينا كأنا متسولين .. أفرضي أكلنا الحلوى .. أين نذهب إذا عطشنا ..

((  يُطرق الباب بقوة ))

الأم : ربما عاد أبوك وعمك ..

الثاني : وأين ذهبا ..؟

الأم: لجلب جثة جدتك ..

الثاني : لا .. جدتي ماتت .. متى .. ؟

الأم: ألم تخبرنا أنت ..

الثاني : خيال مظلم .. في مكان مظلم .. شييءَ لي جدتي موجودة على قارعة الطريق .. ولكن هي موجودة .. ها هي تعطر زوايا المكان ..

(( يشتد الطرق ))

الأم: أذهب لفتح الباب ..

الثاني: أخشى أن يكون القناص قد مل َ من مراوغتي .. وجاء لقنصي وجها ً لوجه .. ( يختبئ ) 

(( الأم تذهب لتنفخ بالمنفاخ .. والخال يذهب متلصصا ً لفتح الباب .. يتنفس بصعوبة تنفس متقطع يعود الخال مسرعا ً ))

الخال: الجنود .. جاءوا لأخذ أبنك … ( يسعل )

الأم: (( تتوقف عن التعبير )) ..

(( المجموعة تؤدي حركة الرقص وكأنهم بحركة جنود .. إنشاد ))

المجموعة: وأنت تغرب فيك الزمان.. وأنت تغرب عنك المكان.. وآب الطغاة .. وغاب الحواة .. وحدك في ساحة الأفعوان.. مليكا ً بلا صولجان .. وطفلا ً .. ولا والدان .. وحيدا ً .. غريبا ً .. حزينا ًً .. أشد من الماء حزنا ً

(( بقعة الضوء على الثاني غير مبالي .. والخال ينتابه حالة من السعال  ))

الثاني : جاءوا لأخذي .. ؟

الخال: بلى ..

الثاني: لأني رميت الجار بالحلوى ..

الخال : سجلوها حجرا ً ..

الثاني: فَسُدَتْ نواياهم .. وهم لا يميزون بين الحجر والحلوى ..

الأم: (من مكان المريض) ولِمَ اقتربت منه ؟

الثاني : هو الذي تحرش بي .. حرك ركود جنوني .. بالحلوى ..

المريض : ولِم َ ترجعها عليه ..

الثاني: رميت عليه حلوى .. وليس حجرا ً .. ما الضير  في أن أرمي على جارنا الحلوى .. الله أوصى بالجار السابع .. وهذا جارنا الأول  والوحيد .. .. وهو أقرب من حبل الوريد ..

الخال: المهم عليك أن تخرج لهم ..

(( ينزع قميصه ويذهب عاري الصدر ))

الثاني : سأخرج لهم عاري الصدر .. هكذا .. نحن العراة لا خوف علينا .. ربما سيخف الحكم علي .. لأني إذا لبست شيئا ً .. ظنوا أني أخبأ تحته ماء .. والظنون والقنابل لها نفس الانفجار ..

(( يذهب الثاني إلى الباب عاريا .. ينهض الأخ المريض ))

المريض: قف ..

الثاني: أرجع لمكانك .. لا حاجة لتوديعي ..

المريض: أنا أعيش بنصف عمر .. دعني اذهب .. مكانك ..

الثاني : أرجع أنت إلى مكانك .. أذا أصابك مكروه ..فسأحقق لهم كل ما في رؤوسهم من ظنون ..

المريض: المنفاخ ملأ صدري بالدخان وليس بالهواء .. دعني أقطع رحلتي .. وعد أنت حيث أتيت ..

الثاني : حين يصاب الواحد منا بألم .. يصرخ آخ .. تعرف لماذا .. لأنه لا يذكر في ألمه إلا أخيه .. وأنت أخي .. مصيبتي .. تريدني أعيش باقي عمري بمصيبة فقدك وأنت تضحي بنفسك من أجلي .. ثم هم لا يأخذوك لأنك تحتاج إلى بالون ومنفاخ و .. وهم عندهم مهام معقدة .. مثلي ..

المريض: أنا أعيش بنصف عمر ..

الثاني: وأنا أعيش بأقل من ربع العقل .. وما تبقى من عقلي يقول لي أنك تستحق كل هواء الدنيا .. بل أنت الهواء الذي أتنفسه .. ( يعانق أخيه .. ويذهب )

الأم : ( تثور على الجار .. توجه الكلام صوب الشباك ) في كل مرة تفتح شباكك ببلوى وتغلقه بمصيبة .. ماذا تريد أنت ؟ أنت يا جار الشؤم ..

الجار: ( يطل برأسه من النافذة ) صوت من هذا ؟

الأم : صوتي ..

الجار: أيعقل أن يكون تغريد البلابل صراخاً ..

الأم : دع عنك هذا وقل لي .. لماذا سرقت مني أبني ..

الجار: هو الذي سرق نفسه ..

الأم : أنت لم تذق حرقة الأم بولدها ..

الجار: كان لي أم .. وأعرف الأمومة .. وحرقة القلب ..

الأم: وها أنت تزيد الحطب في موقد قلبي ببرودك .. ألا تعرف بحال أبني ..

الجار: لم أعرف له مستقر .. مذ كان طفلا ً وهو يتنقل بين براكين الموت ..يتقافز فوقها ويلهو .. أبنك هذا ولد بدون عقل ..

الأم: عقله يوزن بلد..

الجار: هكذا تقولون عنه ؟

الأم: بل أسأل الغرفة التي كومتم فيها جثث عائلة عنته أمام عمته .. بقي ثلاثة أيام وسط الجثث .. حينها ما يفعل العقل .. والأجساد تتفسخ وظل أبني يتنفس الموت معهم خوفاً ورعبا ً..

الجار: لو أنه لم يذهب ..

الأم : لو أنكم لم تقتلوهم ..

الجار : وما يجلسكم مع قتلة مثلنا .. هيا أرحلوا ..

الخال: إلى أين نرحل ..؟

الجار : لا تفك عقدة خرسك بوجهي .. خير لك أن تأخذ أختك وترحل من هنا ..

الأم: زوجي ..وأخوه .. سـ ..

الجار : ذهبا إلى حيث لا رجعة .. لا ينجو من الصواريخ أحد ..

المريض  : كم وقفت في هذا الشباك .. تنظر إلى بؤسنا وتزيد منه .. أنت المانع للهواء .. ومطفئ الروح ..وجالب الجفاف والعطش ..ترمح بخيولك على صمت الجبناء ..تحرق كل ما فينا .. وتدعونا للرحيل .. سأبقى أنا هنا بالهواء وبدونه.. إن عشت فذاك أني سأظل شوكة في عينيك ..وإن مت سأتبخر لأصير قلقاً لك .. يحرمك النوم .. النوم .. حتى تموت أنت وتتفسخ ولا تتبخر .. آخ .  النوم .. آخ .. آه  

(( يغمى عليه .. ينقله الخال والأم إلى فراشه ))

 (( أصوات رشقات الرصاص ))

الأم : ( تركض للباب )) ولدي ..

الخال : تعالي إلى هنا .. بَرُدَ جسده ..

(( يحاول الخال إنعاشه من خلال الضغط على صدره .. وينتابه حالة من ضيق النفس ))

 (( الأم لا تدري هل تذهب للباب أم تصل إلى المريض ))

 (( يدخل الأب وهو يحمل العم.. وقد نالت منه أطلاقة في صدره ))

الأب: تعالي وساعديني ..

الأم: أخذوا أبنك ..

الأب: وأخي ينزف .. أركضي بسرعة ..

الخال: الولد بَرُدتْ أطرافه .. وأبيض وجهه .. ( يضيق نفسه )

الأب: آتيني بلفائف القماش .. بسرعة .. الجرح ينزف بقوة

الأم : أخذوا ابنك .. والولد الآخر سيموت ..

(( يجلب اللفائف يبدأ الأب بشد الجرح ))

الأم: عثرتم على جثة الجدة ..

العم: ( متقطع الصوت ) حتى سائق الإسعاف لم ينجو من قنصهم ..

الأب: هم حين يصممون على القتل .. يحكمون العمل فيه غير منقوص

 (( يقترب الخال وسط المسرح .. يُمسك صدره ))

الخال: لقد ضاق صدري .. هواء ..

 (( تذهب الأم للنفخ بالمنفاخ بقوة ))

الأم: لا فائدة .. نصيبي أن أبحث عن ولدي الثاني ( تحاول الخروج  .. يوقفها الزوج فتبكي بحرقة )

 (( الجار يظهر من الشباك .. والجميع على المسرح يصرخون به ))

الجميع : ماذا تريد بعد ؟

 (( يختفي الجار .. ويدخل الثاني مسرعا ً منتفخ الصدر هذه المرة .. وسط صعقة الجميع ))

الثاني : مفاجأة أني جئت .. أو رجعت .. ؟ ها .. ( يضحك)

الجميع : آآآآآ ..

الثاني: لا تقولوا شيئا ً فأنا هنا .. وسأبقى معكم .. لا أغادر

(( من شباك الجار يخرج .. علم أبيض ))

الثاني : أرجع علمك هذا لمخزنك السري .. فلطالما كانت أعلامكم البيضاء أكفانا ً لنا ..

(( يد الجار تشد العلم في الشباك .. ))

(( الممثلون على المسرح يبدءون بالتنفس بصعوبة وبالتناوب ))

الأم: ( تقترب من الثاني )  وكيف تخلصت منهم ؟

الثاني: بركاتك ودعاءك يا والدتي الحنون .. تخلصت منهم .. ولكني كسبت اعتراف بقيت طوال عمري أحاول انتزاعه منكم .. لكنكم لم تسعفوني به

الأم : كيف ؟

الثاني : تركوني لأنهم قالوا .. نحن أنسانيييووون .. ولا نقتل المجانين .. فعرفت لأول مرة أني مجنون .. وبشكل رسمي .. وموثق عند السلطات  المحتلة .. أنا مرتاح .. جدا ً .. مجنون .. وأناس لا يستحون .. وإن لم تستحي فافعل ما تشاء .. وها هم فعلوا ما يشاءون  بإطلاقهم سراحي .. دون عقوبة ( الثاني .. يرمي بنفسه على الأرض .. ينظر للشباك ) أعرف أنك تريد منا أن نرحل .. وكل همكم هو أن نرحل من هنا ..

الخال: نرحل

الثاني: أخرس .. لا رحيل .و سأبقى هنا .. ولا نلدغ مرتين .. ( ينام على الأرض ) متشبثا ً بها .. أرضي .. ( ينقلب كأنه يمسك بالأرض ) متمسك بها .. أرضي .. سأمسكها .. وأتمسك بها .. أرضي .. ولا أرحل ..

الجميع: ( بصوت متداخل وخائف .. وهم يتنفسون بصعوبة ) لن  نرحل ..

(( مجموعة الفنون الشعبية .. يدبكون ويتنفسون أيضاً بصعوبة ))

المجموعة : أنا ما هنت في وطني ولا صَغّرت أكتافي

                 وقفت بوجه ظلامي 

                 يتيما ً  عاريا ًحافي

                 حملت دمي على كفي

                 وما نكست أعلامي                        ( توفيق زياد )

                 وصنت العشب فوق قبور أسلافي

                أناديكم ..أشد على أياديكم

 (( الفرقة ومجموعة الممثلين يتنفسون بصعوبة أشد .. لاشيء سوى أنفاسهم المتقطعة …تنزل الإضاءة بالتدريج ..إلا من ( الفنر ) الذي وضعته قرب رأس المريض الذي يتنفس ببطء ))

(( إظلام إلا من الشباك .. حيث يسقط العلم الأبيض للجار .. وعند سقوطه  … يرافقه مؤثر سقوط قذيفة قوي .. ويستمر .. تنفس الجميع .. متقطعا ً ))

                                                  إظــــــــــــــــلام

                                              (( نهاية المسرحية ))

 

 

جميع الحقوق محفوظة لمجلة الفرجة - موقع الفنون العربية

الصعود لأعلى