انت هنا : الرئيسية » حوارات » الباحث المغربي حسن المنيعي: الجيل المسرحي الجديد لم يجسد رفضه في اختيارات ثقافية واضحة/عبد الجبار خمران

الباحث المغربي حسن المنيعي: الجيل المسرحي الجديد لم يجسد رفضه في اختيارات ثقافية واضحة/عبد الجبار خمران

عندما صدر لعميد النقد المسرحي بالمغرب د.حسن المنيعي كتاب ‘أبحاث في المسرح المغربي’ سنة 1974 – وهو في الأصل رسالة دكتوراة أنجزها تحت إشراف المستشرق شارل بيلا بجامعة السوربون سنة 1970 . استُقبل باهتمام وحفاوة كبيرين من المثقفين والمهتمين بالشأن المسرحي والفني عامة داخل المغرب وخارجه، ذلك أنه كان لحظة تاريخية بحثية فارقة في مسار الكشف عن آثار الأشكال الدرامية التقليدية وبذور فن الفرجة المؤصّلة للفعل المسرحي بالمغرب، وكذا في مسار مساءلة الجمالية المسرحية والرصد النقدي لإبداعات الهواة والمحترفين الذين عملوا -كما يعبر حسن المنيعي نفسه – حسب إمكانياتهم، على إثراء حركتنا المسرحية التي كانت تعيش طورا في ظروف قاسية عقيمة، لتنفتح طورا آخر على عوالم ابتكارية تجديدية. ليفتح بذلك فتحا مبينا يتجاوز عبره ما كان سائدا من دراسات مختزلة منزورة ذات طابع فوضوي، ومقالات لم تكن تتجاوز حدود الانطباعات والتغطيات الساذجة للعروض الفرجوية.

أما للمنقب عن الدراسة المسرحية الأكاديمية الرصينة قبل هذا الفتح فدونها خرط القتاد، كما يقال. حتى أن د.علي الراعي عندما عرج على المسرح المغربي ليرصد مساراته وتجلياته الأولية في كتابه المعروف ‘المسرح في الوطن العربي’ ما كان منه إلا أن لخص فصول كتاب د.حسن المنيعي ‘أبحاث في المسرح المغربي’.

بحوث ودراسات د.حسن المنيعي مرآة نقدية صقيلة تنعكس عليها مسارات المسرح المغربي منذ شكله الفرجوي البدائي وحتى مسرح ‘ما بعد الدراما’ مرورا بتأثر البرابرة بطقوس الرومان في التسلية ومنها التمثيل الدرامي والإيمائي.. فابتكار فعل مسرحي في عهد الحماية.. ثم تمثل رجالات مسرح زمن ما بعد الإستقلال للفرجات الشعبية واقتباساتهم للمسرحيات الغربية ومحاولاتهم لاستنباث ممارسة مسرحية مغربية أصيلة.. إلى أن نصل إلى اجتهادات الحساسية المسرحية الجديدة مع أفواج (الإزَداكيون) : خريجي المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي ومن سار في ركبهم. كل ذلك وغيره يجعل من د.حسن المنيعي (بّا حسن) كما يناديه أصدقاؤه.. رائدا من رواد المسرح المغربي والعربي، وباحثا مسرحيا فذا مواكبا لما يدبّ على أرضية المشهد الثقافي، وناقدا موسوعيا له اهتمام بالنقد الأدبي والروائي وبالمقاربة الجمالية للفن التشكيلي، بالإضافة إلى إسهاماته في مجال الترجمة.. مما يتعذر معه أن نحيط في تقديمنا المنوط بهذا الحيز الضيق، بكتابات وآثار هذا الباحث الذي دفعه شغفه بالفن الدرامي ورغبته في تحقيق عمل نافع لبلده أن يقتحم في بداية السبعينات ‘آفاقا قدسية لأرض بكر لم يجرؤ أي أحد قبله على اكتشاف مكوناتها..’ فهو بحق أستاذ الأجيال ومؤسس الدرس المسرحي برحاب الجامعة المغربية.. كما وُصف في تقديم المصنف الجماعي ‘حسن المنيعي ومسارات النقد المغربي والعربي’ الصادر ضمن منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة..
إنه رمز من رموز الثقافة المغربية المعاصرة.. ناقد شامل ومتمرس في شتى دروب العلوم الإنسانية.. تكون على يديه – كواحد من جيل الرواد المؤسسين – رعيل من الأساتذة الباحثين. وقد حاولتُ من خلال هذا الحوار الموجز أن أجوب مع د.حسن المنيعي : – أصول المسرح العربي – المسرح المغربي وراهنيته – الكتابة المسرحية – تكوين الممثل وفاعليته داخل العرض المسرحي – المسرح الجامعي مسرح الهواة ـ مسرح الإحتراف – النقد المسرحي- ومسألة الجمهور التي يرى د.حسن المنيعي أنها لم تحسم بعد في بلدنا، مشيرا إلى أن السبيل الوحيد لخلق تصالح مع الجمهور هو توعيته بأهمية الفن المسرحي وإدماجه في حياته اليومية عبر الوسائط السمعية والبصرية، مع تعويده على مشاهدة عروض فنية راقية في التلفاز بدل تخديره بأعمال تافهة كما هو الشأن في رمضان. زمن إصدارات د. حسن المنيعي – التي نذيّل بها تقديمنا المختصر لحوارنا معه – تخللته وسبقته (منذ سنة 1964) عدة دراسات نقدية ومقالات مسرحية لهذا الباحث المسكون بالهم المسرحي، وقد نشرت في مجلات ودوريات ومصنفات وكتب جماعية عديدة. هذا عدا ترجمته للعديد من الدراسات المسرحية لكتاب عالميين يرمي من ورائها إلى المساهمة في التعريف بالنقد الأدبي والفني كفعالية إبداعية متجددة. وقد نُشر عن التجربة المسرحية النقدية ‘المنيعية’ (نسبة إلى المنيعي) الرائدة العديد من الكتب والمقالات..
كما لا يجب أن ننسى حضور هذا الباحث المغربي الفعال في العديد من لجان تحكيم المهرجانات المسرحية المغربية والعربية وكذا مشاركته في ندواتها وورشاتها الفكرية.

من إصدارات د. حسن المنيعي:
ـ ‘أبحاث في المسرح المغربي’ عن صوت مكناس 1974/ طبعة ثانية عن منشورات الزمن 2000 ـ ‘التراجيديا كنموذج’ عن دار الثقافة 1975 ـ ‘أفاق مغربية’ عن المطبعة الوطنية 1981 ـ ‘نفحات عن الأدب والفن’ عن دار الأفاق الجديدة/ بيروت 1981 ـ ‘هنا المسرح العربي.. هنا بعد تجلياته’ عن منشورات السفير 1990 ـ ‘المسرح والارتجال’ عن عيون المقالات 1992 ـ ‘المسرح المغربي من التأسيس إلى صناعة الفرجة’عن كلية الآداب بفاس 1994/ طبعة ثانية عن درا الضمان 2002 ـ ‘المسرح والسيمولوجيا’ عن سليكي إخوان 1995 ـ ‘دراسات في النقد الحديث’ عن سندي 1995 ـ ‘الجسد في المسرح’ عن سندي 1996 ـ’قراءة في الرواية’ عن سندي 1996 ـ ‘عن الفن التشكيلي’ عن سندي 1998 ـ ‘ المسرح مرة أخرى’ عن سلسلة شراع 1999 ـ ‘عن النقد العربي الحديث ومقالات أخرى’ عن سندي 2000 ـ ‘المسرح فن خالد’ عن أمنية للإبداع والتواصل 2003 ـ ‘قراءة في مسارات المسرح المغربي’ عن سندي 2003 ـ ‘ويبقى الإبداع’ عن المركز الدولي للفرجة 2008 ـ ‘المسرح الحديث.. إشراقات واختيارات’ عن المركز الدولي الفرجة 2009 – ‘النقد المسرحي العربي.. إطلالة على بدايته وتطوره’ عن المركز الدولي للفرجة 2011.

ـ يذهب عبد الفتاح كيليطو إلى أن ‘المقامات’ شكلت انتقالا مرحليا لازما.. إذ ساهمت في ظهور الرواية العربية.. هل يمكن – قياسا على ذلك – بعد كل هذا الزمن المسرحي العربي أن نقول بأن ‘المقامات’ إلى جانب أشكالنا الفرجوية التقليدية ساهمت في ظهور ‘مسرح عربي’ ؟ أم تراها أشكالا موازية ظهرت مثيلاتها حتى عند الغرب، الذي أنتج ما يشبهها وأنتج أيضا المسرح بالمعنى الذي نعرفه كشكل تعبيري مختلف عنها..؟
- تعد ‘المقامة’ جنسا أدبيا يقوم على الحكي الذي يتم على لسان ‘رَاوِية’ تتحول شخصيته من متحدث إلى ممثل في الحدث، الذي ينعكس في شكل وحدات قصصية تقود إحداها إلى الأخرى. وهذا ما جعل الدارسين يرون فيها جنساً مسرحياً ‘مجهضاً’ سيعمل بعض الكتاب الدراميين العرب أمثال الطيب الصديقي على إحيائه ومَسْرحته بطريقة فنية حديثة. وهذا لا يعني أنه ساهم في ظهور مسرح عربي، لأن هذا الظهور كان نتاج مثاقفة وعلاقة بالغرب. بعبارة أخرى، إن المقامة وغيرها من الأشكال الأدبية القديمة (المكتوبة أو الشفوية) تعد أشكالاً ‘ما قبل/مسرحية’ سيقوم بعض المسرحيين بطرحها موضوع مناقشة حول تطويع التراث العربي من أجل إيجاد مسرح عربي له خصوصيته. وهذا ما جعل المسرح العربي يعيش عدة تحولات على مستوى الممارسة والتنظير إلى درجة أن ‘التراث’ أصبح اليوم موضوعاً إشكالياً تتضارب حوله الآراء والمواقف.

ـ أحد الباحثين يقسم تاريخ المسرح المغربي إلى مسرح مقاومة، حيث الخطاب السياسي الوطني مبرر الأعمال المسرحية. ومرحلة ثانية بعد الاستقلال حدد معالمها البحث عن التوازن. فمسرح بداية الوعي، أي التصور المسرحي القادم من الهواة. ثم جيل المسرح الذي اختار من الثمانينات أن يمارس ‘مهنة المسرح’.. هل اكتملت هذه الدورة المسرحية بالفعل بحيث يمكننا الحديث،الآن، عن ‘جيل المسرح’ ؟
- يمكن أن نقبل هذا التقسيم لتاريخ المسرح المغربي. لكن القول بأن ‘جيل المسرح’ (أي جيل الثمانينات) ‘هو الذي مارس مهنة المسرح’ يعد في نظري حكما سائباً. وكما أشرت إلى ذلك في العديد من مقالاتي، فإن تاريخ المسرح المغربي قد صنعته أجيال كان أولها جيل الرواد الذين تميزت أعمالهم بطابعها النضالي ضد الاستعمار (محمد القري عبد الواحد الشاوي المهدي المنيعي وغيرهم)؛ ثم جيل الاستقلال الذي ‘ثقف’ فنون المسرح وأبدع في مجالاته (احترافا وهواية) أعمالا درامية هامة حولت أرضية المسرح المغربي إلى عالم فسيح تجرب فيه عدة مدارس وتوجهات فنية حديثة، وأخرى تراعي التوفيق بين الأصالة والمعاصرة، كما تهدف خطاباتها الفكرية إلى معالجة قضايا اجتماعية وسياسية من منظور جمالي يجمع بين الواقعي والرمزي والتراثي. وأخيرا جيل خريج المعهد العالي للمسرح وغيرهم من الهواة الذين دخلوا مجال الاحتراف. إن هذه الأجيال جميعها قد مارست مهنة المسرح وذلك بأساليب مختلفة أدت إلى إثراء الحركة المسرحية المغربية وإلى تعدد تجاربها.

ـ هناك خاصية مغربية فيما يتعلق بمسرح الهواة: جل المسرحيين البارزين (مع استثناءات قليلة جدا) لم ينتقلوا وفق تطور طبيعي لممارستهم المسرحية كهواة إلى المسرح الاحترافي، فظلوا هواة حتى رحيلهم أو اعتزالهم أو تقدمهم في السن.. بماذا يمكن تفسير هذه الظاهرة؟ ولماذا اختفى الحضور المشع لمسرح الهواة؟
- من الصعب في نظري التفريق بين الهواية والاحتراف خصوصا في مرحلة السبعينات وما بعدها، لأن المسرح المغربي عرف تألقه وازدهاره على يد بعض المحترفين، والهواة على الخصوص الذين اعتمدوا التجريب في أعمالهم مما دفعهم إلى تعميق ثقافتهم المسرحية، وإلى ممارسة كتابة درامية جديدة تقوم على التنظير، واستيعاب تقنيات غربية حديثة على مستوى الإخراج والسينوغرافيا والإنارة. من هنا لا أعتقد أن البارزين من الهواة لم يكونوا محترفين. إن الإدارة هي التي جعلتهم ينغلقون في دائرة الهواية بحكم احتضانهم من لدن وزارة الشبيبة والرياضة. لكن؛ حينما نهجت وزارة الثقافة سياسة دعم الفرق (ابتداء من موسم 1998) انتقل الحضور المشع للهواة إلى مجال الاحتراف مما أدى إلى ظهور حركة مسرحية جديدة. أما مسرح الهواة الذي تحول اسمه إلى ‘مسرح الشباب’، فلم نعد نسمع عنه شيئاً، لا عن مهرجانه، ولا عن أعلامه الجدد.

ـ والمسرح الجامعي، أي مكانة يحتلها داخل الحقل المسرحي المغربي؟ وما هي إسهاماته الجمالية، والآفاق التي يفتحها للممارسة المسرحية الشبابية؟
- يؤكد المسرح الجامعي حضوره أكثر من عشرين سنة وذلك من خلال خمسة مهرجانات (أكادير الدار البيضاء فاس مراكش – طنجة). ورغم ما يعانيه من مشاكل على مستوى الاحتضان، والرعاية المادية على الخصوص، فإن إسهاماته الفنية تقوم على البحث والأصالة والجديد. إلى درجة أنه كثيراً ما ينافس بعض التجارب الغربية ويتفوق عليها في العديد من المهرجانات. وهذا ما جعل بعض أطره تدخل مجال الاحتراف. لكن انغلاقه على الجامعة وجمهورها لا يسمح له بالانفتاح على الممارسة الشبابية. ولتحقيق ذلك، فإنه من اللازم العمل على ترويج بعض أعماله في المحافل الثقافية، وعلى هامش المهرجان الوطني للمسرح والمهرجانات التي تنظمها فروع نقابة المسرحيين. لقد سبق لي أن ألححت على هذه الفكرة في كثير من المناسبات، لكن المسؤولين عن الثقافة في المغرب لا يدركون أهمية هذا المسرح الذي يعد دعامة الاحتراف في العديد من الدول الأوروبية. ويكفي أن أشير إلى نموذج المخرجة الكبيرة ‘أريان منوشكين’ التي انطلقت من المسرح الجامعي قبل أن تصبح ظاهرة عالمية.

ـ في كتابك القيم ‘أبحاث في المسرح المغربي’ أشدت بأسماء كتاب مسرحيين كأحمد الطيب العلج، عبد السلام الحبيب، عبد القادر السميحي، ابراهيم بوعلو، محمد تيمد مصطفى التومي… وغيرهم.. لماذا هناك شبه قطيعة بين المخرجين الشباب و الربرتوار المسرحي المغربي؟ وهل يمكننا التجديد في الكتابة المسرحية بالمغرب دون تمثل وتمثيل هذا الربرتوار؟
- لا يمكن الحديث عن قطيعة بين المخرجين الشباب والربيرتوار المسرحي المغربي. لقد قام بعضهم بإعداد مسرحيات لأحمد الطيب العلج وعبد الصمد الكنفاوي والمسكيني الصغير وعبد الكريم برشيد على الخصوص. أما عن الكتاب الآخرين الذين ذكرتهم، فإن نصوصهم غير متداولة وإن كان بعضها قد نشر في مجلات ثقافية أو في كتاب خاص (بعض نصوص محمد تيمد التي أشرفتُ على نشرها بمعية زوجته). إضافة إلى ذلك، أرى أن المخرجين الشباب كثيراً ما تغريهم النصوص الأوروبية أو العربية التي اطلعوا عليها. وهذا ما أغرق الساحة الغنية بأعمال مقتبسة كما نلاحظ ذلك في كل مهرجان وطني. أما عن تجديد الكتابة المسرحية، فإنها قضية لا علاقة لها بالريبرتوار المشار إليه. مثلا، هل بإمكان الزبير بن بوشتى أن يكتب على طريقة المرحوم محمد تيمد؟ لقد كان هذا الفنان يكتب مسرحياته بعقلية المخرج والممثل والسينوغرافي. أما الزبير، فإنه يكتب مسرحياته من منطلق الأديب ولا يعمل على إخراجها. من هنا يبقى تجديد الكتابة المسرحية بالمغرب مرهونا بثقافة الكاتب، وموقفه من الأحداث المعيشة، وطريقة مساهمته في الفعل المسرحي. وهذا ما جعل الكتابة المسرحية تأخذ مساراً جديداً لدى كتاب ‘الحساسية الجديدة’ وذلك من حيث ارتكازها على التقاط مشاهد من الحياة اليومية والعمل على مَسْرَحتها: الشيء الذي لم يفعله هواة السبعينات وما بعد؛ حيث كانت كتابتهم كما وصفتها سابقا ‘جدولية’Tabulaire تقوم على منطلقات فكرية مستمدة من التاريخ والتراث والواقع المعيش: الشيء الذي جعلها ترسم منعطفا جديداً على مستوى الإبداع المسرحي المغربي والعربي على الخصوص.

ـ من خلال رصدك المتفحص للحركة المسرحية.. ما التحولات الجادة التي حققها المسرح الاحترافي المغربي خلال السنوات الأخيرة؟ وما هي أهم سمات الخلفية الثقافية والجمالية التي تميز الجيل الجديد، والتي يحاول تجسيدها فرجويا؟
- نعم، هناك تحولات جادة عرفها المسرح المغربي منذ نهج سياسة الدعم وتأسيس المهرجان الوطني. وهي تنعكس تحديدا في أساليب الإنتاج المسرحي الذي يتأرجح بين ‘مسرح درامي’ يستوفي شروط صناعة الفرجة التقليدية، ومسرح ‘ما بعد درامي’ يركز على توظيف جسد الممثل وعلى تقنيات سمعية وبصرية جديدة للتواصل مع الجمهور. وغالبا ما يكون هذا المسرح من إنجاز ‘الجيل الجديد’ الذي يرفض بعض أفراده ما حققته الأجيال السابقة، لكن هذا الرفض لم يتجسد بعد في اختيارات ثقافية وفنية واضحة. وإنما في تصريحات عابرة تعلن قطيعتهم مع التراث، والتركيز في أعمالهم على راهنية الواقع.

ـ في كتابك ‘ويبقى الإبداع’ تشير إلى أنه: ‘يجب إعادة النظر إلى الممثل الذي لا يوجد في الممارسة المسرحية المغربية إلا في الكتابة النظرية’ كيف يمكن للممثل أن يحضر كعنصر فعال في العملية المسرحية.. وأن يتحول إلى نص حقيقي بدل اقتصاره على أن يكون مؤديا للنص اللغوي وتعليمات المخرج؟
- لقد حظي الممثل المغربي بعناية كبيرة على مستوى التنظير كما نلحظ ذلك لدى ‘الاحتفالية’ وغيرها من النظريات. أما عن حضوره عنصراً فعالا في الممارسة المسرحية. فإننا لا نجد في الكتابات النقدية المغربية والعربية على السواء إلا بعض الإشارات لمكانته في الإنتاج المسرحي. لهذا نبهت إلى هذه الحالة وفي رصيد معرفتي الشيء الكثير عن الدراسات الغربية التي اهتمت بتاريخه: أي بتحوله من أداة يشغلها المخرج كيفما شاء إلى عنصر جمالي فاعل ومتجذر في تاريخ الفرجة. لذا، لا يمكن لي تقديم إجابة مركزة على سؤالك. ما قصدته من قولي: هو أن إعادة النظر إلى الممثل المغربي يجب أن تتم في نطاق الكشف عن ثقافته وعن وعيه بالأدوار التي يؤديها، والتكوين الذي يخضع له، والاختيار الذي يدفعه إلى التعامل مع هذا المخرج أو ذاك. هذه قضية لابد من طرحها للوقوف على المنظومة المسرحية المغربية وتموضع الممثل في نطاقها لأنه كما يقول غروتوفسكي ‘إنسان يشتعل بجسده أمام الجمهور’. وللكشف عن هذا الجسد، لابد من إنجاز دراسات عن نماذج من الممثلين المغاربة الذين صنعوا تاريخ المسرح عندنا، علماً بأن البحث الجامعي لم يفعل ذلك بعد.

ـ كيف تقيم الحراك الذي أحدثه المعهد العالي للفن المسرحي في الساحة المسرحية؟ وأي أفق فتحه كورشة لإعداد ممثل مسلح بنظريات وتقنيات حديثة في سياق ديناميكية التكوين المسرحي بالمغرب؟
- حقيقة، لقد كان للمعهد العالي للفن المسرحي أثر واضح على الحركة المسرحية المغربية، وذلك من حيث إعداد وتكوين مجموعة من الممثلين والمخرجين والسينوغرافيين يتوفرون على مهارات احترافية ساهمت في ‘تحديث’ العرض المسرحي، وتطعيمه بأنفاس فنية جديدة. إلا أن هذا الأثر أخذ يتراجع اليوم وذلك لأسباب معروفة، يأتي على رأسها هجرة معظم خريجي المعهد إلى عالم السينما والتلفزيون، وإلى العمل في نطاق تجارب مسرحية مغلقة تحتضنها بعض المراكز الثقافية الأجنبية.

ـ العرض الفرجوي الذي ينتجه المبدع المسرحي، يوازيه العرض النقدي الذي ينتجه المبدع الناقد أو الباحث الجامعي.. ما الذي يمكن أن يعيق عملية التنقيب عن عناصر الفرجة وشروط تحققها ونقدها؟ ويحول دون تورط النقد في الحركة المسرحية المغربية؟
- تنحصر وظيفة النقد في متابعة الإنتاج المسرحي إما من منظور صحفي أو مهني (نقد الفنان) أو أكاديمي. إن هذا يعني أن كل خطاب حول المبدع المسرحي، أو العمل المسرحي برمته، له لغته الخاصة. لكن الخطاب الأكاديمي المرتبط بالبحث الجامعي هو الذي يسعى إلى إبراز عناصر الفرجة ومواصفات تحققها، ثم يعمل على دراستها انطلاقاً من تراكمات معرفية حول المسرح وشعرياته. من هنا، لا يوجد شيء يحول دون تورط خطابه في الحركة المسرحية المغربية، لأنه يساهم في التعريف بآفاقها وذخيرتها انطلاقا من مشاهدة العروض، والوقوف على قيمها الجمالية التي لا يمكن اختزالها في كتابة وصفية جامدة، وإنما اعتماداً على مرجعيات تاريخية فكرية وفنية. وهذا ما فعله بعض الأساتذة الجامعيين الذين كتبوا عن المسرح المغربي وعرّفوا بعوامله في العديد من المحافل العربية والأوروبية.

ـ اعتبرت في بعض كتاباتك أن نسبة كبيرة من الجمهور مستقطبة من لدن مسرح استهلاكي يقوم على ما أسميته بـ’بلاغة مقرفة’ وأن هذا الجمهور في حاجة إلى ما سماه رولان بارت ‘النص الراشد’.. كيف السبيل إلى نهج ممارسة مسرحية متصالحة مع جمهور مغربي يعتبر أغلبه الذهاب إلى المسرح وقتا ثالثا أو ثالث عشر؟
- من الصعب الإجابة على هذا السؤال لأن قضية جمهور المسرح لم تحسم بعد في بلدنا وذلك لسبب واحد وهو أن المسرح المغربي رغم ما حققه من طفرات بعيدة على مستوى الإنتاج والممارسة فإنه لم يتمكن من تأكيد حضوره ‘مصلحة عامة’ لا بالنسبة للدولة ولا بالنسبة لبعض طبقات المجتمع. لهذا ظلت عروضه التجارية هي الصورة النموذجية لحركته الفنية التي تستقطب جمهوراً واسعاً (عروض الفرقة الوطنية مثلا)، بينما يظل المسرح الفني الجاد عرضة للإهمال لا يهتم به إلا نخبة من المتفرجين. أما الجمهور الشعبي؛ فإنه لا يتعرف عليه إلا بمناسبة المهرجانات التي تقترح عليه عروضا بالمجان. لهذا فإن السبيل الوحيد لخلق تصالح مع هذا الجمهور هو توعيته بأهمية الفن المسرحي وإدماجه في حياته اليومية عبر الوسائط السمعية والبصرية، مع تعويده على مشاهدة عروض فنية راقية في التلفاز بدل تخديره بأعمال تافهة كما هو الشأن في رمضان.

اكتب تعليق

جميع الحقوق محفوظة لمجلة الفرجة - موقع الفنون العربية

الصعود لأعلى