انت هنا : الرئيسية » مقالات » «زقاق»… المسرح في مواجهة التهميش! / خلود ناصر

«زقاق»… المسرح في مواجهة التهميش! / خلود ناصر

«زقاق»… المسرح في مواجهة التهميش! / خلود ناصر

مشاريع كثيرة على برنامج الفرقة اللبنانية. في موازاة «أرصفة زقاق» الدائم الذي يشمل محاضرات ومسرحيات وورش لفنانين أجانب، تستعدّ المجموعة لعملها الجديد عن التاريخ اللبناني سيقدَّم في كانون الأول (ديسمبر). بين هذا وذاك، ينشغل أفرادها بعروض فردية بين بيروت والخارج

 

من تابع مجموعة «زقاق» منذ بداية تكوينها في عام 2006، يلحظ تطوراً ممنهجاً لفريق مسرحي بكل ما للكلمة من معنى. لا يقتصر مشروع الفرقة على الإنجازات المسرحية الاحترافية فحسب، بل إنّ هذه الفرقة الطموحة تأسّست لوضع الممارسة المسرحية في خضم التزام سياسي واجتماعي، إيماناً من أفرادها بدور العمل الجماعي في مجابهة الأنظمة التهميشية.

بدأت المجموعة عملها في المسرح العلاجي والاجتماعي عقب نزوح اللبنانيين من جنوب لبنان خلال عدوان تموز عام 2006. أكملت هذه الممارسة المسرحية في الأوضاع الطارئة مع أطفال الأحداث، والأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، والنساء المعنّفات. وبهدف توسيع دائرة الفن المسرحي من مركزية بيروت إلى اللامركزية، شمل عمل المجموعة معظم القرى والمدن اللبنانية. أما على الصعيد المسرحي البحت، فقد بدأت عملها بالتساؤل عن أدوار العناصر المسرحية كالكتابة الجماعية، والفعل، ودور المؤدي على الخشبة في مواجهة الجمهور والمجتمع والانعكاسات السياسية. تطورت الأسئلة، وبتطورها تطورت الأشكال المسرحية التي ذهبت إليها الفرقة كنتيجة بحث دائم ومستمر.
المعروف لمن يتابع مسيرة «زقاق» وتعاطيها مع العمل على الأرض أنّ أعمالها ذات بعد فلسفي وسياسي عميق تولّده النقاشات الطويلة بين أعضاء الفرقة، عاكسةً ديناميكية كبيرة في التفكير عبر المساءلة الدائمة للمفاهيم والمسلّمات. تقول مايا زبيب، المؤدية والمخرجة المسرحية الشابة وأحد أفراد «زقاق»، إنّ هدف المجموعة هو المواجهة. تقول:«كل شيء مبني في علاقتنا على المواجهة بالأفكار والآراء، ما يجعل عروضنا محمّلة دوماً أفكاراً ومواقف سياسية.
نناقش لماذا نعمل في الفن المسرحي، وماذا نقول، وما الأدوات التي نستخدمها، وهدفنا في كل خطوة نقوم بها إلى أن أصبح النقاش عضوياً. هذه الحيوية تجعل المجموعة أقوى لأنّه لا يوجد أي فكرة مسلّم بها، بل إنّ كل شيء قابل للنقاش».
لم يقتصر عمل المجموعة على ذلك، بل عملت على تطوير تقنياتها وأدواتها المسرحية والاطلاع على الكثير من الأبحاث المتعلقة بفنون العرض من خلال الانفتاح على العالم الفني في الخارج والتشبيك مع فنانين أجانب. دعت المجموعة العديد من الفنانين إلى إقامة ورش عمل خلال الأعوام الماضية، إلا أنها كانت غير مؤطّرة. أما الآن، فقد ارتأت وضع هذا النشاط في هيكل أو في إطار ثابت ودائم على مدار السنة سمّته «أرصفة زقاق». يشمل المشروع عروضاً ومحاضرات وورش عمل لفنانين أجانب من الخارج، بين مؤلفي نصوص مسرحية، وفناني «برفورمانس»، وفنانين من المسرح الحركي الجسدي، ومصممي رقص، ومخرجي مسرح… على أن يُستَضاف فنان في كل شهر على الأقل من شباط (فبراير) حتى تشرين الأول (أكتوبر).
اللافت أنّه في معظم الأحيان، تدعو الفرق فنانين أجانب للإفادة من تقنياتهم خلال ورش عمل مغلقة. أما في وضع «زقاق»، فنراها تفتح الباب أمام جميع المحترفين وغير المحترفين للمشاركة في الورش والمحاضرات التي يقدّمها الفنانون الأجانب في «استوديو زقاق» بهدف خلق خيوط تواصل مع الجمهور. «هذه طريقة فعالة للاتصال مع الجمهور. هناك فكرة سائدة بأنّ الجمهور لا يفهم ما يفعله الفنان المسرحي. هناك هدف تثقيفي من دون ادعاء بفتح الباب أمام الجميع. نودّ المساهمة في بناء جمهور يدرك الأدوات والمفاتيح المسرحية».
بموارد مادية قليلة جداً مصدرها أعضاء الفرقة أنفسهم، استطاعت «زقاق» إنشاء الاستوديو البيروتي في عام 2008 كفضاء ثقافي لا يجمع أفراد الفرقة بالجمهور فحسب، بل يشكّل أيضاً نقطة التقاء وتشبيك مع فنانين آخرين. تفتح «زقاق» أبواب الاستوديو لأي فنان مسرحي يريد إجراء التمارين المسرحية مقابل أجر رمزي. هذه الخطوة نتجت منها عروض مسرحية كان رحمها فضاء «زقاق». القرار نابع من إيمان المجموعة بأنّ فضاء استوديو «زقاق» لا يحيا بأصحابه فقط، بل بالطاقات المختلفة التي يخلقها الجميع فيه. «نؤمن بأنّ المسرح لا يستطيع أن يخلقه فرد ولا مجموعة، بل تخلقه ساحة فنية. بهدف تعزيز هذه الساحة، علينا التشبيك مع الناس. بموارد قليلة، نحاول بحبّ كبير أن نجعل الاستوديو مكاناً للقاء والتواصل بين الفنانين حتى ولو كان التفاعل خارج إطار فريقنا». تكمل مايا زبيب: «نحن بحاجة إلى الكثير من الفرق والفضاءات والمهرجانات كي نخلق لغة وحواراً وحركة نقد وكتابة مسرحية حقيقية. شعرنا بأنّنا مجبرون على المساهمة في خلق هذه الساحة كي نستطيع خلق مكان لنا».
لا تقوم «زقاق» على جهود المجموعة متعاونة، بل أيضاً على المشاريع الفردية لأعضائها. مشاريع تخلق مساحة فنية تتحرك بين لبنان وخارجه: مثلاً، في إطار المسرح العلاجي ذات المقترب النفسي، يكمل عضوا الفرقة هاشم عدنان ولميا أبي عازار العمل على عرض مسرحي مع جمعية «كفى» حول موضوع النساء المعنفات تحت عنوان «صار بدها صرخة». وسيتنقّل هذا المشروع في المناطق اللبنانية بعدما عرِض في مسرح «دوار الشمس» قبل أشهر. وفي الوقت الذي تُعدّ فيه دانيا حمود لعرض راقص، يشتغل عمر أبي عازار على إخراج عمل جديد لمجموعة «زقاق» سيقدَّم ابتداءً من شهر تشرين الأول (أكتوبر) في المدارس ويتوجه إلى المراهقين وأهلهم. وتدور الفكرة الرئيسية حول علاقة الطلاب بأهلهم وبأساتذتهم والصراعات بين الأولاد بسبب تشرّبهم أفكار الطائفية والجندر. وسيشارك عمر أيضاً كممثل مع فرقة مسرحية فرنسية في فرنسا حول علاقة المنتج الغربي بالفنان العربي. كلّنا نعرف أنّه يُطلب من الأخير أن يتناول مواضيع «جذابة» و«اكزوتيكية» للغرب كالحجاب والحرب والاغتصاب… وبينما يكمل جنيد سري الدين شهادة الماستر في البحث المسرحي في الجامعة اليسوعية، يعمل على إخراج عرض «زقاق» الجديد حول التاريخ اللبناني وسيقدَّم في شهر كانون الأول (ديسمبر) المقبل.
أما مايا زبيب، فستعمل على إخراج عرض مسرحي ألماني في برلين مقتبس عن نص «ذاكرة للنسيان» لمحمود درويش. هذه الدعوة للإخراج جاءت من مسرح City Theatre الذي يدعو مخرجاً من العالم مرّةً كل عام. العمل سيكون باللغة الألمانية، وقد يعاد إنتاجه مع «زقاق» ليعرض في لبنان.
www.zoukak.org

 ** دعم من «صديق»:

أطلقت «زقاق» أخيراً «برنامج دعم استوديو زقاق». البرنامج عبارة عن تقديم دعم رمزي شهري (5 د.أ على الأقل) أو سنوي بسيط يصبح الداعم فيه «صديقاً» لـ«زقاق» ويستفيد من بعض العروض والحسومات.

 

جميع الحقوق محفوظة لمجلة الفرجة - موقع الفنون العربية

الصعود لأعلى