انت هنا : الرئيسية » نقد ودراسات » وجهة نظر.. كلكامش .. الحضور المسرحي المعلن والتفاصيل/ قحطان السعيدي

وجهة نظر.. كلكامش .. الحضور المسرحي المعلن والتفاصيل/ قحطان السعيدي

وجهة نظر.. كلكامش .. الحضور المسرحي المعلن والتفاصيل/ قحطان السعيدي

خلال عامي 76 ـ 1977 يتفق الفنان الأستاذ سامي عبد الحميد مع فنان السينوغرافيا الراحل كاظم حيدر على تقديم ملحمة “كلكالمش” السومرية مسرحيا، كاملة غير مجتزاة، على وفق ترجمتها الأولى من قبل العلامة خالد الذكر طه باقر، وضمن ثلاثة عروض مبتكرة مكانيا (قاعة مسرح الشعب في الباب المعظم/ المسرح الروماني في محافظة بابل/ قاعة المسرح القومي في كرادة مريم) وقد رافق مسيرة الفنانين المذكورين في هذه العروض الفنان الموسيقي الشاب وقتذاك جعفر الخفاف، حينما كان طالبا في قسم المسرح في أكاديمية الفنون الجميلة وعازفا هاويا لآلة الكمان.
رحلة مضنية وشاقة قضاها هؤلاء الفنانون الثلاثة في ترسيم خططهم الإبداعية لتقديم “كلكامش” العراقي الباحث عن سر الخلود الذي امتازت به آلهة سومر دون سواها من بشر مدينة (اوروك) عاصمة سومر التليدة، خصوصا وأن هذه الآلهة قد رفعت “كلكامش” إلى مستوى النصف من آلوهيتها من دون أن تسبغ عليه النصف الآخر من امتيازاتها السماوية المعلنة، بل أبقته ككائن نصف بشري ـ نصف الهي.

** ملخص الملحمة.. حكاية كلكامش:

“كلكامش” بطل لا يضارع أمام شعبه وإزاء القبائل والدويلات التي تجاور مملكته، فأصبح ديكتاتور لا ينازع ولا يتورع عن فعل القتل وممارسة الموبقات والمحارم وبفعل سلطة السماء التي منحته مباركتها..
إنه مفرق الأزواج، وسارق اللذائذ والمتع من العشاق ومواخير الليل بل هو المنتهك الدائم لعذرية بنات اوروك اليافعات المحصنات وغير المحصنات، لا تحده قوة أو بأس في ممارسة القتل وأرذل أنواع الانحطاط، ويشرب الراح على الراح من دون أن يغرك القذى عن عينيه، ولو للحظة واحدة وللأبد.
العجيب الملغز في هذه الحكاية الملحمة، أن يصحو “كلكامش” ذات يوم بعد أن شبع وارتوى وغنى وأبكى، على هاجس أو صحوة تنذره بالموت الذي لا مناص أو لا محيد عنه، لأنه ما زال يمتلك النصف البشري الكائن في داخله، ولا يمكن بالمرة أن يكون بمصاف أسياده من الآلهة السماويين الكائنين في عقله.
هنا تبدأ رحلة “كلكامش” الأثيرة ذات الطابع التراجيدي الإسيان، من أجل البحث عن عشبة الخلود، فيرحل عن بلاده، متوخيا المجاهل القصية من الأرض، متخليا عن لذائذه ومتعة الدنيوية المعروفة، ملتقيأ بالآلهة (عشتروت) صاحبة الجمال والغواية والجنس المعلن المشبوب، تاركا أمرها لصاحبه (انكيدو) شبه الحيوان البري. وحينما يرتوي الأخير منها يصبح إنسانا جديرا برفقة “كلكامش” من أجل موصلة البحث عن عشبة الخلود، فيخوض الاثنان معا معارك سماوية في آن، بفعل وصاية (عشتروت) حتى أن ينتهي أمرا وحياة (انكيدو) الصديق المخلص لبطل الملحمة بموته، إثر مقتلهما للثور السماوي (خمبابا) تمهيدا لعثور كلكامش لعشبة الخلود نتيجة للآمال التي عقدها على موقف الجد الاله (اتونابشتم) والموقف المسبق في حانة (سيدوري) ولنتذكر أيها القراء الأعزاء أن ثمة حانة في الملحمة السومرية الأقدم بين ملاحم التاريخ العالمية، لنتبرأ من دعوات سياسينا الجدد في التصدي لحياتنا المدنية منذ عمق التاريخ وتشريد المسيحيين وقتل الكثير من الايزيدية الأكراد، تحت هوس إغلاق النوادي والمقاهي والمنتديات الاجتماعية، بينما كانت حقيقية الأمر من  وجهة نظر آلهة سومر، مجرد بديل واحد فقط من عدة بدائل مختلفة ضمن إطار الاستراتيجية التي اتبعتها في هذه الأرض، تقريب مسار البشر إلى الموت من أجل خلودهم المعنوي والإنساني على مر التاريخ.
إ جدلية (الحياة/ الموت) أو (العدم/ الوجود) أو (الكينونة/ الزوال) قد فسرت من كبار الفلاسفة وأصحاب المعروفة طيلة القرون الثلاثة المنصرمة من عمر البشرية، أمثال، كانظ وهيجل وماركس وانجلس وهيدجر وسارتر وباشلار ودلوز وفوكو، وآخرين.. إذ أن تجليات هذه الملحمة ومساراتها وأنساقها وأيقوناتها المتعددة، واضحة  كل الوضوح، قبل أن يكتب هوميروس (الالياذة) اليونانية، وقبل أن يفجر يراع فرجيل (الانيادة) الرومانية.

** اشتغالات المخرج:

كما سبق أن ذكرنا، كانت اشتغالات المخرج سامي عبد الحميد تداولية لهذه الملحمة بوجود الفنانين كاظم حيدر المسؤول الأول عن سينوغرافيا العرض(الديكور/ الإضاءة/ الأزياء/ المكياج) إذ ثمة رحلة قام بها هذان الفنانان لمحافظتي الناصرية والسماوة من أجل التعرف على أسوار (اور/ واوروك) المنحصرتين ضمن هذين المحافظتين، أو الوقوف على الأزياء ولباس الشعر وسحنة الوجوه ونوعية الإيزار والسجاد اليدوي المتبقي من هاتين المدينتين التاريخيتين اللتين تناغيان صبابات الملحمة، على الرغم من اندراسهما الجيولوجي الكامل وحجم المطمورات الاثنولوجية فيها، حتى وان بقت زقورة (اور) صامدة على مر التاريخ، بطابعها الاجري المعروف، أو بشكلها الهندسي المغاير لكل الأزمنة.
ـ لا تنسوا أعزاءنا القراءة أن (اور) و(الوركاء/ أو ما تدعى باوروك) التابعة لمدينة السماوة) تخضعان للمادة الدستورية 140 بعد أن اقتطع النظام العفلقي السابق المدينة السابقة من محافظة الناصرية، وجعلها تحت امرة المحافظة الجديدة في آواخر السبعينيات. وهو أمر يتطلب من قبة البرلمان الحالية، حسن المسؤولية ومبادرة الإسراع في حسم المادة 140 الدستورية إن كانوا جادين حقا في حسم هذا الملف المتواتر المعقد وأعود إلى اشتغالات المخرج الأستاذ سامي عبد الحميد في إخراج ملحمة (كلكامش) التي جند لها أعدادا كبيرة من الممثلين والمنشدين والكوراليين في عرضيها الأول والثاني وبوجود الفنان التشكيلي الكبير كاظم حيدر، والفنان الموسيقي الشاب جعفر الخفاف.

** اشتغالات أخرى في عرض كلكامش:

إزاء هذا النجاح المعلن الجديد، تعاقدت الفرقة القومية للتمثيل التابعة لوزارة الإعلام وقتذاك مع المخرج الأستاذ سامي عبد الحميد من أجل إخراج مسرحية (كلكامش) بحلة قشيبة جديدة، وبميزانيات مفتوحة، فاستثمر المخرج في عام 1978 كافة الإمكانات المتاحة له في ذلك الوقت، ومنها الإضاءة الليزرية الجديدة، واختيرا كبار ممثلي الفرقة المذكورة، أمثال طعمة التميمي في دور (كلكامش) وعبد الجبار كاظم في دور (انكيدو) والفنانة سعاد عبد الله في دور (عشتروت) مع ثلة مدربة من المسرحيين والفنانين بادور المجاميع المسرحية وأناشيد الكورال تحقق فيه النجاح حقا حتى وان لم نعرف فيه، في ذلك الزمن المعقد الصعب، أين يكمن الثراء في استجابة المتلقي.

 

جميع الحقوق محفوظة لمجلة الفرجة - موقع الفنون العربية

الصعود لأعلى