انت هنا : الرئيسية » مقالات » “البيك والسايق..” التدشين الأول للمسرح البريشتي في العراق/ قحطان السعيدي

“البيك والسايق..” التدشين الأول للمسرح البريشتي في العراق/ قحطان السعيدي

“البيك والسايق..” التدشين الأول للمسرح البريشتي في العراق/ قحطان السعيدي

أتيح لعرض مسرحية (البيك والسايق) العديد من فرص النجاح والتألق في سبعينيات القرن الماضي، لأسباب متعددة، منها اختيار المخرج الراحل الأستاذ إبراهيم جلال لأشهر وأعمق نص من نصوص الكاتب والمخرج الألماني الشهير بيرتولد بريشت الذي حمل عنوان (بونتيلا وتابعه ماتي) فضلا عن تكليف الشاعر الستيني

المعروف الصديق صادق الصائغ بتعريق النص ضمن اللهجة البغدادية المتأنقة، قياسا بلهجاتنا المعروفة في الشمال الوسط والجنوب، بالإضافة إلى طاقم تمثيلي مرموق بوجود الفنان يوسف العاني (البيك) والفنان الراحل قاسم محمد (السايق) ومحسن العزاوي وسليمة خضير وعواطف نعيم، وآخرين..
تعزز عرض (البيك والسايق) ولأول مرة في العراق بطروحات وتعاليم بريشت في المسرح (الملحمي) الذي يدعو إليه في مرحلة ما قبل الحرب العالمية الثانية في الأربعينيات، ولم يستطيع تطبيقه في بلده ألمانيا أثناء الزمن النازي المقيت لماركسيته الثورية المعلنة، ولقواعده المبهرة الجديدة في حالات اغتراب الممثل عن دوره بعيدا عن فعل (التقمص) التمثيلي أو الركحي على فوق التعاليم الآرسطو طاليسة التي كرسها اليونانيون والرومان، وكان تلميذها المخلص في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين الفنان قسطنطين ستنلافسكي، إذ قضت تعاليم هذا المخرج الروسي شبه الأصيل ـ ذي الجذور الفرنسية المعلنة، باعتماد الطريقة الارسطاليسية في عروض المسرح بمعية ساعديه الايمنيين في مسرح موسكو الفني واعني بهما دانشتكو وتايتروف المخرجان المساعدان للأستاذ الأول ستلانفسكي وبقواعد علم النفس الأثيرة في ذلك الوقت تحت عنوان (الطريقة) ذات الطابع الستلافيسكي الصارم في إعداد الممثل.

** مفارقة وعجائب:
المفارقة أن يخرج تلميذان نجيبان من معطف هذا المخرج الروسي الأول. وهما  الروسي الشهير ميرهولد (مؤسس مدرسة البايكونميك في مسرح التجريب التابع للمسرح الموسكوفي الفني) والألماني الأشهر فاختنكوف أستاذ بريتولد بريشت، الذي دعا منذ البدء إلى عدم الاندماج مع الشخصية المسرحية، ومحاولة تقريب الجمهور إلى فعل الممثل على المنصات المسرحية وخارجها.
المثير أن يتلقف الفنان المخرج إبراهيم جلال هذه الصيحات البرشتية العديدة في مطلع السبعينيات من القرن، بعد الصرخة المدوية لأعمال بريشت الإبداعية في مسارح أوربا ومنصات الولايات المتحدة الأمريكية، خصوصا وأن الأخيرة منحته الجنسية الأمريكية عن طيب خاطر، وسمحت لكافة عروضه المسرحية أن تقدم بدون قيد أو شرط، ولعل العجب العجاب أن تسعى الولايات المتحدة في مطلع الخمسينيات في حملتها (الماكارثية) السيئة الصيت، أن تقدم بريشت كمتهم وشاهد ممن التقى وعمل معهم، أمثال المخرج والممثل البريطاني الشهير (تشارلي شابلن) والمخرج الأمريكي ايليا كازان، والمؤلف المسرحي الأمريكي ارثر ميلر. ثم تبرئهم من تهمة المحاكم المكارثية الفدرالية تحت ضغوط واحتجاجات عالمية واسعة. الطريف فيما يتعلق بمخرجنا الفنان إبراهيم جلال في بعثته الأولى لروما حول دراسة السينما، أن يعود لدراسة المسرح في معهد (كولدمات ثيتر) في أمريكا، بفعل وصاية نسبية رئيس الوزراء العراقي الجنرال نوري الدين محمود، الذي قمع مظاهرات منتصف الخمسينيات وعطل الدستور الملكي، وأقام حكومة الجيش ضد البلاد والعباد.

** بعد العودة:
من دون أن ننسى التاريخ الوطني الجميل للفنان إبراهيم جلال، ومن دون أن نتخلى عن ثوابته اليسارية المعلنة في المعهد والأكاديمية والشارع البغدادي، عاد هذا الفنان بعقلية طرازية لفنون المنصة المسرحية في الأداء الأرسطاليس والستانلافسكي معا، عاد ومن عاد معه من المعهد الأمريكي المذكور أمثال جعفر السعدي وبدري حسون فريد وخالد سعيد، مكتنزين بفنون هذه المنصة التي لا تتيح للواقع التاريخي والجمالي والفني الحياد عنها.. عادوا من الغياب بعد سفرة دراسية طويلة، وفي ذهنهم المسرحي الواقعي القادم، الذي لم يتخلص بعد من بثور الواقع المحلي، حرصا في الأيديولجية المترسخة في أذهانهم وحبا واعتزازا ومجالدة لأفكارهم الأولى في النهوض بالمسرح العراقي إلى أقصى الحالات وأروع الدرجات قياسا بالمسرح العربي والعالمي. وللأسف لم يحقق الفنان خالد سعيد مبتغاه الإخراجي إلا بعمل واحد شبه مكتمل، وهو (ورد جهنمي) من تأليف طه سالم وتمثيل عبد الوهاب الدايني وفاضل القزاز وعماد بدن، في الوقت الذي أخرج الفنان الراحل جعفر السعدي عملين خطيرين في تاريخ الإخراج المسرحي العراقي، على الرغم من انتمائها المعلن إلى المدرسة الواقعية التاريخية أو الطبيعية.. فمسرحيتي (يوليوس قيصر/ عرس الدم) تعدان بمثابة أيقونتين مبهرتين في سماء الإخراج المسرحي العراقي، ولم يعد السعدي بعد ذلك لاستنهاض مقوماته الإخراجية بعد هذين العملين للأسف الشديد.
كذلك ما فعل بدري حسون فريد بعد عودته الميمونة من الولايات المتحدة الأمريكية، إذ كان بإخراجه لمسرحية (الحصار) لعادل كاظم، ومسرحيتي النيدروا كاسونا (مركب بلا صياد/ الأشجار تموت واقفة..) أمثوله للمسرح الطليعي والطرازي المتقدم. ولكنه للأسف لم يواصل هذه التجربة، لأسباب طويلة تتعلق باحباطاته الطويلة المستمرة داخل هذا الوطن، ليس لسلطة الديكتاوريا أو العائلة طرفا فيها، بل ربما للحيرة الكونية التي يعيشها على كل الدوام.

** وحده إبراهيم جلال كان في الصورة:

أجل ! كان وحده في الصورة حينما عاد من الولايات المتحدة الأمريكية، إذ كانت صورة وأعمال بريتولد بريشت هي السائدة في مسارح العالم، بفعل الحركات التحررية في العالم وبانهماكات وفعاليات المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي وقتذاك، وبوجود فنانين يساريين وعلمانيين كثار كان هدفهم العمل مع هذا المخرج احتراما لتاريخه المسرحي الطويل ومنهم الفنان فاضل قزاز في الديكور وحسين حسن في الإضاءة. في زمن لم يتعرف فيه إبراهيم جلال عن برتولدبريشت أو يدرسه عن كثب، فكانت (البيك والسايق) تجربة بريشتيه تعد لهذا المخرج لوحده بامتياز، على العكس من تجارب عوني كرومي التي تفصح عن نفسها بالانتماء الملموس لمسرح (البارنسل ساميل) حينما درس هناك، وأفحمنا بالعديد من المسرحيات البرشتية المثيرة، صورة وتأويلا وجمالا.

جميع الحقوق محفوظة لمجلة الفرجة - موقع الفنون العربية

الصعود لأعلى